فهرس الكتاب
أولًا: أن هذه العقوبة تتناسب مع قبح جريمة الزنا: فإن في الزنا من البشاعة والمفاسد ما يناسب تشديد العقوبة فيه، ولهذا سمى الله هذه الجريمة فاجشة فقال:"ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا"لأنها جريمة تستبشعها كل الشرائع والفطر السوية والمجتمعات.
فمن مفاسد تلك الجريمة: اخنلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وتفكك الأسر، وضياع الأولاد، إذ يعيش ابن الزنا طيلة عمره لقيطًا مهملا، وانتشار الأمراض في المجتمع، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: وما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم"، والقضاء على النكاح الذي هو من أهم مقاصد الشريعة، وإدخال العار على الأسرة بل والقبيلة برمتها، فهو في الحقيقة جريمة قتل، ولهذا يقول سيد قطب:"كثيرًا ما يقرن الله تعالى في كتابه بين الشرك وقتل النفس والزناذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة: الجريمة الأولى قتل للفطرة، والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة""
ثانيًا: ثم إن هذه العقوبة مقررة في الكتب السماوية الأخرى:
فعن ابن عمر أن {اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ فقالوا: تسخم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بالتوراة وجاءوا بقارئ لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح، فقال أو قالوا: يا محمد إن فيها الرجم ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال: رأيته يجنأ عليها يقيها الحجارة بنفسه} . متفق عليه
ثالثًا: وكذلك فإن الشريعة جعلت لتنفيذ الرجم قيودًا لضمان تنفيذ الرجم في أضيق نطاق:
فمن ذلك وجوب ثبوت البينة لإقامة الحد، وإذا تأملنا البينة في الزنا فهي:
-إما شهادة أربعة رجال يشهدون أنهم رأوا الزنا بأعينهم حقيقة، ولا يكفي أن يشهدوا أنهم راوا الرجل يعلو المرأة، وإلا حدوا حد القذف، وهذا أشبه بالمستحيل، ولهذا ذكر ابن تيمية أنه لم يرجم أحد بشهادة أربعة عليه مذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى عصره.
-وإما إقراره على نفسه بالزنا أربع مرات، ويشترط في هذه الحال أن لايكون الإقرار تحت التهديد أو الضغط أو الضرب، وألا يرجع عن إقراره حتى تنفيذ الحد، وللقاضي في هذه الحال أن يلقنه الرجوع، كما جاء عن ابن عباس قال {: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أفنكتها لا يكني قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه} . رواه والبخاري