فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 93

فهذا النوع من الإكراه معفو عنه ولايترتب عليه أي أثر ما لم يكن متعلقًا بحق آدمي يفوت كما سيأتي، والأدلة على ذلك:

أ- قوله تعالى:"إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان"قال ابن كثير: في هذه الآية استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية، ورواه البيهقي بأبسط من ذلك وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال"كيف تجد قلبك؟"قال مطمئنا بالإيمان فقال"إن عادوا فعد"

ب- وقوله تعالى"لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة"قال ابن كثير: أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، والمراد أن يتقيهم بالقول أي بحسن الكلام ولطف العبارة دون الموالاة في الأفعال. فيجوز للمسلم أن يهادن الكافر بالعبارة دون الموالاة.

ويجب هنا التفريق بين المداهنة والمداراة:

فالمداهنة: أن يسكت المسلم عن إنكار منكر يجب عليه إنكاره وهذا مذموم.

والمداراة: حسن العبارة والملاطفة في الكلام على وجه لا يخل بمقصود شرعي، ومنها ما جاء في الصحيحين عن عائشة أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال ائذنوا له فبئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام فقلت له يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول فقال أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء

فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل -وإن كان زعيمًا في قومه-فليس أهلًا لذلك، وإنماداراه الرسول صلى الله عليه وسلم تأليفًا لقلبه.

2 -إكراه على فعل: كالإكراه على الزنا أو شرب الخمر أو القتل، وهو على نوعين:

أ) إكراه على فعل تبيحه الضرورة كأكل الميتة والخنزير وشرب الخمر عند الضرورة.

ب) إكراه على فعل لا تبيحه الضرورة مثل القتل أو إتلاف عضو في إنسان.

والضابط في الإكراه الذي يعفى عنه والذي لايعفى عنه: أن الإكراه إذا تعلق بحق آدمي على وجه يفوت فإنه لا يعفى عنه، أما إذا كان فيما عدا ذلك فإنه معفو عنه سواء كان قولًا أو فعلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت