فهرس الكتاب
قال أبو بكر الجصاص عند تفسيره لقول الله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} . معنى الضرورة - هنا: هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل وقد انطوى تحته معنيان:
أحدهما: أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة.
والثاني: أن يكون غيرها موجودا، ولكنه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه، وكلا المعنيين مراد بالآية عندنا. اهـ
ج - أن تقدر الضرورة بقدرها: فيجب على المضطر مراعاة قدر الضرورة، لأن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، وتفريعا على هذا الأصل قرر جمهور الفقهاء أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق.
د - يجب على المضطر أن يراعي عند دفع الضرورة مبدأ درء الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل، فمن أكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قتل يلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل، لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك، لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر، لإجماع العلماء على تحريم القتل، واختلافهم في الاستسلام للقتل فوجب تقديم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها.
هـ - ألا يقدم المضطر على فعل لا يحتمل الرخصة بحال: قال ابن عابدين: الإكراه على المعاصي أنواع: نوع يرخص له فعله ويثاب على تركه، كإجراء كلمة الكفر، وشتم النبي صلى الله عليه وسلم وترك الصلاة، وكل ما يثبت بالكتاب. ونوع يحرم فعله ويأثم بإتيانه كالزنى وقتل مسلم، أو قطع عضوه، أو ضربه ضربا متلفًا. القواعد الفقهية الناظمة لأحكام الضرورة:
وضع الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية لضبط أحكام الضرورة، وأهم هذه القواعد هي:
1 -المشقة تجلب التيسير: والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ويتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته
2 -الضرورات تبيح المحظورات: وهذه قاعدة أصولية مأخوذة من النص وهو قوله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} ومن فروعها: جواز أكل الميتة عند المخمصة ونحو ذلك.
3 -الضرورات تقدر بقدرها: معنى هذه القاعدة: أن كل فعل أو ترك جوز للضرورة فالتجويز على قدرها ولا يتجاوز عنها. ومن فروعها: أن الكفار حال الحرب إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي عليهم لضرورة إقامة فرض الجهاد، لكنهم يقصدون الكفار دون الأطفال