فهرس الكتاب
3 -باعتبار الأعصار والأمصار والقرون والأحوال:
قال القرافي: يندب إقامة هيئات للأئمة والقضاة وولاة الأمور بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمان الصحابة رضي الله عنهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة، ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالهيئة والزي فيتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح. وقد كان عمر رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النظام، ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قد اتخذ الحجاب وأرخى الحجاب واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية وسلك ما يسلكه الملوك فسأله عن ذلك فقال: إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: لا آمرك ولا أنهاك، ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه. فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والقرون والأحوال
4 -باعتبار الحكم الشرعي:
من المعلوم أن الأحكام الشرعية شرعت للتسهيل على العباد إلا أن منها ما شرع من الأصل مراعى فيه المصلحة وحاجة الناس فيباح ولو لغير حاجة، وذلك كالقرض والحوالة والوصية والشركة والعارية وغيرها، ومنها ما شرع لما يوجد من الأعذار ولذلك لا يباح إلا عند وجود السبب كالفطر في الصيام بسبب السفر، فلا يباح الفطر لغير المسافر إلا إذا كان هناك سبب آخر وهكذا.
شروط الحاجة:
للعمل بمقتضى الحاجة شروط تتلخص فيما يلي:
1 -ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال:
فالضروريات أعلى رتب المقاصد، وتعتبر أصلا لما عداها من الحاجيات، والتحسينيات التي تعتبر مكملة للأصل. ومن شرط اعتبار الأدنى ألا يعود على الأصل بالإبطال، وتطبيقًا لذلك:
أ- أن حفظ المهجة مهم كلي، وحفظ المروءات مستحسن، فحرمت النجاسات حفظا للمروآت، فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس كان تناوله أولى.
ب- وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الغرر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لانحسم باب البيع، ولهذا قرر أهل العلم جواز بيع الغرر عند الحاجة ن وهذا هو الفرق بين قاعدة الربا وقاعدة الغرر، فعقود الغرر تجوز عند الحاجة، أما عقود الربا التي في الديون فلا تجوز إلا عند الضرورة.