الرضى في وصفه ايام ذي سلم وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زينًا ولتلك الجملة عينًا عن ركبوا خلت الأرض فلكًا بجمل نجومًا وإن وهبوا رأيت الغمام سجومًا وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي وإن فخروا أقصر عرابة الأوسي ثم انحرفت الأيام فالوت بإشراقه وأذوت يانع ايراقه فلم يدفع الرمح ولا الحسام ولم تنفع تلك المنن الجسام فتملك بعد الملك وحط من فلكه إلى الفلك فأصبح خايضًا تحدوه الرياح وناهضًا يزجيه البكا والنياح، وقد ضجت عليه أياديه، وارتجت لاجوانب ناديه، وأضحت منازله قد بان عنها الأنس والحبور، وألوت بهجتها الصبا والدبور، فبكت العيون عليه دما، وعاد موجود الحيوة عدما، وصار أحرار الدهر فيه خدما، فسحقاًُ لدنيا ما رعت حقوقه، ولا أبقت شروقه، فكم أحياها لبنيها، وأبداها رائقة لمجتليها، وهي الأيام لا تقي من تجنيها، ولا تبقي على مواليها، أدثرت آثار جلق، وأخمدت نار المحلق، وذللت عزة عاد بن شداد، وهدت القصر ذا الشرفات من سنداد، ونعت ببوس النعمان، وأكمنت غدرها له في طلب الأمان، وقد أثبت من نظمه العذب الجنى، الرائق السنا، الفائق اللفظ والمعنى، ما يمتزج بالنفوس والقلوب، ويتارج به مسرى الصبا والجنوب، وذكرت أثناءه من مآثره المخترعة ومفاخره، ومشاهده المستبدعة ومحاضره، ما يهون الدنيا وزخرفها، ويلين تقلبها وتصرفها، أخبرني ذو الوزارتين أبو بكر بن القصيرة أنه كان بغرفة القصر المكرم مقيمًا لرسوم المعتمد وحدوده، منشأ لمخاطباته وعهوده، في اليوم الذي خرج فيه ابن عمار إلى شلب معه مفتقدًا لأعمالها، مسددًا أغراض عمالها، إذ طلع إليه الوزير الأجل أبو بكر بن زيدون منشرح المحيا، متضح العليا، يتهلل بشرا، ويتخيل أنه المسك نشرا، وقال لما خرج ابن عمار إلى شلب ثار للمتعمد هيامه القديم وكلفه، وتجدد له معلقه بها ومالفه، فإنه عمرها في ظل صباه، وفرع بها هضاب السرور ورباه، وبرد عمر قشيب، وشبابه غض لم يرعه مشيب، ايام ولاه المعتضد بالله أمرها، وأدارت عليه الغرارة خمرها، فقال مرتجلًا، وابن عمار بالانحفاز له:"طويل"
ألا حيّ أوطاني بشلب أبا بكرِ ... وسلهنَّ هل عهد الوصال كما أدري
وسلّم على قصر الشراجيب عن فتىً ... له أبدًا شوق إلى ذلك القصرِ