فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 161

هذا .. وقد اتصف النبي الكريم وصحابته وتابعوه بهذه الصفات امتثالا لأمر الله، ولعل مقولة النبي الشهيرة عن قومه حينما أدميت قدماه وطلبت الملائكة منه أن يدعو علي قومه وهو مستجاب الدعوة ، فقال:"اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"وموقفه من المشركين بعد فتح مكة وهو قوي قادر منتصر يؤكد أنه عفوّ صافح غافر رفيق حليم ؛ إذ قال لهم ـ كما قال يوسف ـ"لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء".

كذلك الصحابة اتصفوا بهذه الصفات ، ولنا في ابن مسعود مثلا ، إذ كان في السوق فسرقه لصّ فقال الناس: اللهم اقطع يد السارق ، فردّ قائلا: لا تدعوا عليه، ولكن قولوا: اللهم إن كان سرَقها لحاجة فيها طاعتك فبارك له فيها، وإن كان سرقها لذنب، فاجعله يا رب آخر ذنب له واعفُ عنه واغفر له.

وكذلك اتصف بها التابعون، ونأخذ منهم زين العابدين ؛ إذ كانت له جارية، وذات مرة أخذت تصبّ له ماء يتوضأ، فوقع الإبريق فانكسر، فغضب منها، فأسرعت قائلة: مولاي"والكاظمين الغيظ"فسكن غضبه، فقالت:"والعافين عن الناس"، فقال: عفوت عنك، فقالت:"والله يحب المحسنين"فقال: اذهبي فأنت حرّة لوجه الله.

جزاء ذلك

أعد الله لأصحاب هذه الصفات الجنة الواسعة ، تصديقا لقوله تعالى: {وسارعوا إلي مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} . ويطيب لي أن أذكر حديثا لرسول الله في هذا الصدد ، إذ كان جالسا بين أصحابه ، فضحك حتى بدت نواجذه، فقال عمر: بأبي وأمي ما الذي أضحكك يا رسول الله ؟ فقال: تذكرتُ موقفا من مواقف يوم القيامة، وقف عبدان بين يدي الله ، أحدهما ظالم والآخر مظلوم، (فدار هذا الحوار ) :

فقال المظلوم: يا رب ، هذا الرجل ظلمني ، فخذ لي منه مظلمتي .

فقال تعالي للظالم: عبدي ردّ علي أخيك مظلمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت