فهرس الكتاب
وإذا ما تركنا مكة لنأتي إلي مصرنا نجد ـ بادئ ذي بدء ـ أن مصر تعني في اللغة البلد المتحضر المتمدن ، وهذا يعني أن المصريين منذ القدم أصحاب حضارة ومدنية وتقدم، أحبوا بلدهم فأطلقوا عليها مصطلح"الأرض المحبوبة"، ولعل حضارة الآلاف السبعة تشهد خير شهادة علي هذا ، بل إن حب كل العالم الآن لمصر الحضارة ـ وقد رأينا هذا رأي العين ـ لشهادة عظيمة تؤكد مكانة مصرنا بين العالم أجمع ، ويعود الفضل في أن تنال مصرنا هذه المكانة إلي ما تتمتع به من صفات حميدة لم تتوافر في أي بلد آخر ، وخير شاهد علي هذه الصفات القرآن الكريم الذي يطمئننا بأن هذه الصفات ثابتة بثباته في الأرض إلي يوم القيامة ، فلقد وردت مصر باسمها في القرآن خمس مرات ـ إحداها منونة ـ وفي كل مرة منها يضفي القرآن عليها صفة جليلة ، فيصفها بأنها بلد الاستقرار في قوله: { وأوحينا إلي موسي وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتا} ، وبلد الكرم في قوله: { وقال الذي اشتراه من مصر أكرمي مثواه} وبلد الملك في {ونادي فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتى } ، وبلد الخير في قوله: {اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم } وبلد الأمن في قوله تعالى: {ادخلوا مصر إن شاء آمنين} .
وأود أن أقف وقفة عند صفة الاستقرار ، فالله تعالي خلق الإنسان ليعبده {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، واستعمره الأرض، فقال له:"هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"، وأباح له التمتع بمتاع الدنيا ما لم يعص الله {وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} ، والإنسان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن المجتمع الإنسانى، كما لا يستطيع أن يتمتع بنعم الله في الكون ولا يستطيع أن يؤدي حق الله عليه كما أن المجتمع لا يرقي ولا يتمدن ولا يتقدم إلا إذا كان مجتمعا مستقرا، تسوده نعمة الاستقرار.