الصفحة 32 من 49

ولعل تقاعس الهمم وفتور العزائم ، أو النفور من الأعمال الكبيرة التي تحتاج إلى وقت وصبر وجهد ، جعلت بعض المحققين يصرفون عنايتهم إلى الأجزاء الحديثة الصغيرة ، وهي غالبًا لا تضيف جديدًا إلى كتب الأصول والمصادر الأساسية المتداولة ، تلك التي لم يخدم أكثرها خدمة طيبة تليق بها ، إذا استثنينا ما قام به الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ، رحمه الله ، من جهد في إخراج عدد منها كصحيح مسلم ، وموطأ مالك ، وسنن ابن ماجه (رحمهم الله جميعًا) ، والشيخ أحمد شاكر في ( المسند ) للإمام أحمد .

والكتب الأصول أَوْلى بالعناية والاهتمام والإخراج المتقن الذي يليق بها وبمكانتها ، وكم من هذه الكتب ، مما لا يزال مخطوطًا ، أو مطبوعًا طبعات قديمة رديئة ! يحتاج إلى عناية ! ومما يتصل بهذا: العناية بكتب ( الزوائد ) في الحديث ، مع وجود الكتب الأصلية التي جُرَّدت زوائدها . فمع وجود ( صحيح ابن حبان ) مثلًا ، لا ينبغي الاشتغال بزوائده ، لئلا يكون ذلك على حساب عمل آخر أكثر أهمية ، ومع وجود ( معاجم الطبراني الثلاثة ) تقل أهمية زوائدها ، ما لم يكن في هذه الزوائد فوائد خاصة بها ، وقد كان لهذه الكتب أهميتها عند عدم وجود كتب الأصول ، ويصدق هذا أيضًا على ( مختصر استدراك الذهبي على مستدرك الحكم ) فهو تلخيص للملخص ، وكان الأجدى العناية بالمستدرك نفسه . والطريف أن المستدرك يقع في أربع مجلدات ، وتلخيص التلخيص يقع في سنة مجلدات !

وفي غير كتب الحديث . نجد رسائل لا تتجاوز عشرين سطرًا من المخطوط ، أو لا تبلغ ورقة منه ، فينفخ فيها المحقق ويحقنها بالدراسة والترجمة والتعليق ومنهج البحث ، وما شئت من هذه الألفاظ التي يتشدق بها ، فتفعل هذه الحقنة فعلها في تضخيم هذه الورقة أو الوريقات فتجعل منها كتابًا راشدًا يستوي على قدميه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت