الصفحة 37 من 49

قال لي صاحبي يومًا وهو يحاورني: لقد أجمعت أمري على أن أفاجئ العالم باختراع جديد ، وسَبْق فريد ، أسجِّل حقوقه ، فلا يعتدي أحد عليها بالسطو أو التقليد .. قال هذا ، وعلامات الجد ترتسم على محياه ، فما عهدت منه إلا الصرامة والجد . فلا بد - إذن - أن شيئًا جديدًا نافعًا يفكر فيه صاحبنا كيما يقدم للأمة ما قد يكون سببًا في رفعتها وتقدمها الماديّ والمعنوي ، فتغدو وقد بزَّت غيرها من الأمم ، وتربعت على كرسي الزعامة والريادة .

وبادرت صاحبي بالسؤال عن هذا الاختراع الفريد ؟ ! فقال: إنه جهاز لضغط العمالقة الكبار ، لتحويلهم إلى أقزام صغار ! فضحكت حتى وقعت لقفاي وفحصت برجلي ..: جهاز لضغط العمالقة ! ضحكت ، أولًا ، لطرافة الفكرة وغرابتها ، وضحكت ثانية: للنكتة تجري على لسان صاحبي - فقد ظننتها نكتة - وما عرفته كذلك . فإذا به ينتهرني لأكفَّ عن ضحكي ، فالموقف غاية في الجد والخطورة ، فليست هذه نكتة ، ولكنها فكرة جديدة ، لها سوابق تاريخية واقعية تعطيها صفة المشروعية .

فقلت في نفسي: أَمَا وإنّ الأمر جدّ خطير ، فينبغي أن أحذِّر صاحبي من هذا العدوان المبيَّت على العمالقة . فما أظنهم يتركونه يعبث بسمعتهم عندما يفكر بتحويلهم إلى أقزام ، فضلًا عن أن يتركوه يمضي في تحقيق ما يريد ! وإن تواضع العمالقة فسكتوا ، أو إن ترفعوا فأغضوا ؛ أفيسكت عن ذلك كله دعاة حقوق الإنسان ؟ ويغضي عنه أناس لا تزال في رؤوسهم نخوة وحمية للإنسانية ، وعنده أثارة من علم بعواقب هذا البغي والظلم للآخرين .. ؟

إذ هذا العدوان حرام آثم بحكم الشرع ، وممقوت بغيض بنظر الإنسانية ، ومخاطرة كبيرة بنظر الواقع !

فقال آمنًا مطمئنًا: ومن ذا الذي حرّمه عليّ وأباحه لغيري ؟ فتعجبت من إصراره ، وازددت عجبًا من دعواه أن غيره أبيح له ذلك ففَعَله ! فما سمعنا ولا قرأنا - على الأقل في صحفنا العربية العتيدة - خبرًا عن هذا الذي قام به غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت