الصفحة 38 من 49

وحتى لا يتركني صاحبي في حيرة من أمري ، وحتى لا أسترسل في عجبي واستغرابي ، اقتادني من يدي ليريني شاهد الصدق على ما يقول ، واقعًا مشاهدًا ، نراه بأم أعيننا ، ونلمسه بأيدينا ، ونتحسسه عن قرب .. فإذا وقع هذا ، فلا أدلَّ على المشروعية من وقوعه ، ومن ثم فهو دليل وسابقة تدل على مشروعية ما يفكر به صاحبي ويعزم على إنفاذه .

دخلت مع صاحبي إلى مكتبته ، فأخذ يتناول بعض ما فيها من مجلدات وكتيبات ، ثم يضعها أمامي ، وكأنه يقول: هذا هو الدليل العملي الذي أريد أن أقدمه بين يدي مشروعي ليدل على صوابه وجوازه ، أي هذه هي السوابق التاريخية التي أصبحت حجة ، لأن أحدًا لم يعترض عليها ، فدل ذلك على الموافقة أو الإجماع السكوتي على الأقل .

هذا هو كتاب ( المغني ) لابن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) ، موسوعة ضخمة في الفقه الإسلامي ، تباهي به المكتبة الإسلامية ، ويعتز بها الفقهاء ، حتى قال عنه سلطان العلماء العز بن عبد السلام - وهو من هو في الإمامة في العلم والاجتهاد - قال عنه: ( ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل( المحلى والمجلى) لابن حزم ، وكتاب ( المغني ) للشيخ موفق الدين بن قدامة ، في جودتهما وتحقيق ما فيهما ، ولم تطب نفسي بالفتيا حتى صارت نسخة من المغني عندي ) .

وما أظنني بعد كلمة العز هذه بحاجة إلى الحديث عن مكانة هذا الكتاب الضخم ، الذي بلغ عشر مجلدات كبار ، وفي بعض الطبعات أكثر من هذا ، ولكن أحد الأساتذة المشاركين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قام باختصاره وسماه (المقني في اختصار المغني ) ، رأيت منه مجلدين اثنين ، ينتهي الأول منهما بنهاية كتاب الجنائز ، قال فيه صاحبه: ( ولعل كبر الكتاب وتوسعه قصر الاستفادة منه - إلى حد كبير - على المتخصصين . ورغبة مني في المشاركة في خدمة هذا الكتاب الجليل ، ومن أجل تعميم الاستفادة منه ، وتقريب تناوله أقدمت على اختصاره .. ) ص (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت