الصفحة 13 من 18

الانزياح

النص المساعد:

جاء في قصيدة"رحل النهار"لبدر شاكر السياب:

"الأفق غابات من ا لسحب الثقيلة و الرعودْ ..."

الموت من أثمارهن، وبعض أرمدة النهارْ

الموت من أمطارهن، وبعض أرمدة النهار

الخوف من أ لوانهن، وبعض أرمدة النهارْ

رحل النهار

رحل النهار ...""

تعاريف:

العلامة اللغوية:

العلامة اللغوية تتكون من وجهين متلازمين لا ينفصلان، هما"الدال"و"المدلول"اللذان يحيلان على شيء في العالم الحقيقي أو الخيالي وهو ما يطلق عليه بالمرجع.

خذ أي كلمة سابقة وقم بتحليلها: كلمة"غابات"مثلا من الناحية الشكلية تتكون من مجموعة من الحروف أو الأصوات (غ+ا+ب+ا+ت) وهو ما يسمى بالدال، في حين فإن المعنى ينصرف إلى مجموعة من الأشجار تؤلف وحدة متجانسة نعني بها غابة وهو ما يعبر عنه بالمدلول، لاحظ أن الدال يختلف بين اللغات:

سحب= nuages=clouds=Wolken

الانزياح:

الانزياح في اللغة معناه الذهاب والتباعد، وفي الاصطلاح هو خرق المألوف في اللغة العادية والخروج عنه، أو خرق توقع المتلقي أي أفق انتظاره، لكي تفهم جيدا خرق التوقع أو تكسير أفق الانتظار أضرب لك المثال التالي:

كنتَ في البيت فطرق الباب ....

أعتقد -أنا وأنت- أن الطارق لن يكون إلا إنسانا عاقلا، فتوقعي وتوقعك يبنى على هذا لأنه العادة السائدة ...

حسنا فتحت الباب، فوجدت قطة أو كلبا ... هذا شكل من أشكال كسر التوقع، لأنك لم تكن تنتظره، يمكن اعتبار هذا الشكل -توسعا- انزياحا.

جملة"رحل النهار"على سبيل المثال تكسر التوقع، لاحظ أن الرحيل هو فعل يتوقع في العاقل، لكنه هنا أسند إلى غير عاقل"النهار"، ليدل على معنى جديد أكثر إيحاء وحركة. لاحظ مرة أخرى العلاقة بين مكوني الجملة بين الفعل وفاعله، إنها علاقة تحاول خلق انسجام بين عنصرين متباعدين وهو ما نسميه بلحظة التوتر أو التنافر بين المكونين.

الانزياح إذا ينطلق من لحظة التوتر، ليخلق المتلقي الانسجام في الخطاب، إن دور المتلقي هنا مهم جدا، (لاحظ عزيزي القارئ كم نحن مهمين -أنا وأنت-) .

للانزياح مجالات متعددة قد تكون على مستوى الإيقاع وهو ما يسمى الانزياح الإيقاعي، أو على مستوى التركيب بين المسند والمسند إليه ....

للانزياح وظيفة جمالية تمكن الشاعر من فتح آفاق واسعة للتفاعل والتواصل ...

نظرية القراءة بين النشأة والتحول

عثماني عبد المالك,

الزيارات: 8360

نشرت في: واحة الإبداع, بحوث و دراسات

من المعلوم أن نظرية القراءة لم تكتمل بعد إلى الآن، كما أنها تسير في طريق أن تستقل بذاتها كما حدث لغيرها من النظريات. و فعل القراءة كما هو معلوم سلوك غريزي عند الإنسان منذ القدم، و له ارتباط بعلوم أخرى نذكر منها علم الجمال، و علم النفس، و علم الاجتماع.

إن استهلاك أي نص

لا يمكن أن يتحقق بعيدا عن هذه القاعدة الأساسية، و لعل العديد من العلماء، قد ذهبوا إلى أبعد حد في حديثهم على أن إنتاج النص و استهلاكه كان دائما متلازمين، و غير منفصلين عن عملية القراءة، و هو ما يطلق عليه مصطلح"جمالية التلقي". كما تجدر بنا الإشارة إلى أن نظرية التلقي لم تكن تعرف هذا المصطلح إلا مؤخرا، و نعني هنا مصطلح"جمالية التلقي".

لقد أهملت الكتب النقدية الاهتمام بمستهلك النص القارئ، و كان اهتمامها الكبير منصبا على منتج النص (المبدع) ، ثم انصب اهتمامهم على النص. كما لوحظ غياب الحديث عن مستهلك النص سواء عند العرب أو عند غيرهم كاليونانيين؛ إذ لا يجد الباحث ما يشير إلى ذلك الاهتمام بهذا الطرف الفاعل في العملية القرائية.

لقد اكتسب فعل القراءة بعدا جماليا و قيمة حضارية في سياق الحضارة العربية الإسلامية خاصة بعد نزول أول سورة إبراهيم و هي"اقرأ ..."من سورة العلق. لقد كان الاهتمام بفعل القراءة منصبا على نص واحد و هو النص القرآني، ثم شمل تفسير الأحاديث (الفقه) ، و لم يصل فعل القراءة في المجال الأدبي إلى مرحلة النضج و التميز.

إن القراءة كممارسة كانت موجودة منذ الأزل، و لكن كفعل مؤصل له قواعده لم يكن حاضرا؛ ذلك أن البحث كان مقصورا على جمع المعلومات فحسب، فلم يكن ينشد المتعة و استنباط ما ينطوي عليه النص المقروء من خصوصيات. و لا ريب أن عنصري المتعة و الاستمتاع يكتسيان أهمية قصوى في نظرية القراءة.

و قد تنوعت الآراء حول جمالية التلقي، و ذلك الوقع الجمالي الذي تتركه في نفس القارئ، و لكل من هؤلاء العلماء و جهة نظره نحاول أن نعرج على نموذجين منها كما يأتي:

فقد اهتم"ياوس"في صياغة نموذجه طريق تطويره لمصطلح"الأفق"إلى ما أسماه بـ"أفق التوقعات"أو"أفق الانتظار"، و هو مبدأ أساسي في صياغة نظريته، كما يعرف هذا المصطلح بأنه: نظام من العلاقات أو جهاز عقلي يستطيع من خلاله فرد افتراضي أن يواجه به أي نص.

و يربط"ياوس"في نظريته بين عملية التلقي و أفق الانتظار، و أن المتلقي بناء على هذا الأفق يعيد بناء توقعاته، و من ثم يمكن قياس أكثر الأعمال و مدى وقعها الجمالي على أساس الأفق الذي تم استخلاصه من هذه الأعمال.

و أما"أيزر"فإن منطلقه كان من سؤال كيف يمكن أن يكون للنص معنى لدى القارئ؟ و هو بذلك يقيم إستراتجيته على ثلاثة عناصر هي كما يأتي:

1 ــ النص: الذي يفرض حضوره بالقوة، و يدفع القارئ إلى ملء فراغاته.

2 ــ فحص عملية مراجعة النص في القراءة بما تنتجه من صور عقلية أي"عملية بناء الموضوع الجمالي".

3 ــ فحص الشروط التي تلمح بالتفاعل القائم بين النص و القارئ، و تضبطه، و ذلك في نظرية ما يسمى بالاتصال. و منه فالنص عند باحثنا ينطوي على جانبين هامين هما:

أ ــ الجانب الفني: و هو ذلك المتعلق بإنتاجية النص، و يفرضها صاحب النص (المبدع) .

ب ــ الجانب الجمالي: و يتمثل في تحول النص المقروء إلى نص آخر منجز من قبل القارئ.

كما أن"أيزر"يركز أيضا على مبدأ"الاختلاف"، أي أن القارئ يفتش في النص عما لا يوجد فيه، و ذلك بغية إكمال تجربته، و هو ما يختلف فيه مع زميله"ياوس"في عنصر"أفق الانتظار".

يسير النقد المغربي في اتجاهات عدة وبخطى ثابتة، وذلك بفضل اجتهادات البحث العلمي ومجهودات فردية أو جماعية لباحثين يستحقون هذا اللقب الأكاديمي، كما ساهمت الحلقات الدراسية والندوات العلمية المتخصصة والمشاركات في المناظرات واللقاءات الدولية من إكساب الأداة النقدية القدرة على التطويع والفهم والتفكيك.

ويعتبر الدكتور أحمد أبو حسن من الباحثين والنقاد الذين يعملون في الاتجاه النقدي، نظريا ومنهجيا عبر حلقات دراسية علمية أطرها رفقة الدكتور محمد مفتاح، أو مساهمات في ندوات محكمة. مما جعل من مساهماته النقدية والأكاديمية نموذجا لاشتغال الباحث والناقد الذي يستثمر لغاته والمناهج النقدية الأوروبية وتصوراتها لخدمة النقد العربي والنصوص الإبداعية قديما وحديثا.

وقد عكس مؤلفه (في المناهج النقدية المعاصرة) هذا البحث والاجتهاد من خلال سبع دراسات أساسية في مسار الدراسات النقدية، حيث جاءت مواكبة للمنجز النقدي، النظري والمنهجي، في الدراسات الأجنبية - الأوروبية - مستخدما منهجا حفريا يستقصي الأثر النقدي في مظانه الأصلية وضمن صيرورته التاريخية والثقافية، وفي امتداداتها القبلية والبعدية مرجعا وتلقيا، إنها عملية البحث في مصادر وفي أصول ومرجعيات كل تصور نظري أو منهجي للإمساك بالمكونات والمفاهيم الأساسية الدالة لكل ممارسة نظرية أو منهجية.

*نظرية المرجع بين النص والقارئ

عمد المؤلف إلى تقديم قراءات مزوجة وكاشفة لبعض التصورات وكذا النصوص والمرجعيات، حيث عالج عبر الدراسات السبع، وعلى التوالي، المرجع بين النص والقارئ، من حيث هو تصور أولا، وثانيا من حيث انتقاله في النص والقارئ، منطلقا من أرضية"نظرية المرجع"كما قاربها الفلاسفة والمناطقة واللسانيون وفي السيميائيات الأدبية وفلسفة التأويل"وذلك في إطار البحث عن العلاقة بين الذات والموضوع:"الكلمة والشيء، العلامة ومدلولها ومعناها، (ص 10) ، أي البحث في الكلمة والجملة والخطاب والنص.

وقد محص أبو حسن مختلف هذه المستويات عبر تدرج منهجي متناولا:

-المرجع المباشر وغير المباشر، من خلال الإحالات واستعمالات اللغة، كما اهتم بها علماء التربية في إبرازهم لإواليات العملية المرجعية في لغة الطفل الأولى.

-المرجع والمدلول والمعنى، ويحيل على التمييز الذي تحيل عليه اللغة وتحدده، واقعيا أو خياليا، وقد حدد أبو حسن هذا المبحث بتحديدات وملاحظات سوسير، بنفنيست وفريج وهوسرل وبرتراند راسل ... التي أغنت أدواته ورؤيته باقي المحاور الأخرى.

-المرجع الأدبي، وتأتي مناقشته في إطار ما توصل إليه الباحث من خلاصات وأفكار باعتماد تصور امبرتوايكو، ثم الانتقال إلى محور مرجع النص وكيف أطرته الشكلانية والبنيوية فضلا عن اجتهادات بول ريكور، ليخلص في النهاية إلى سؤالين محركين:

-هل هناك نص بدون مرجع؟ وعلاقة النص والقارئ بالمرجع، من يصنع الآخر ويؤسسه؟

وقد ختم أحمد أبو حسن هذه الدراسة بالبحث في مرجع النص الشعري المغربي وعلاقته بالمرجع الثقافي.

في الدراسة السادسة (الأدب الشعبي والرواية المغربية) يقارب الكاتب العلاقة المرجعية بين النص الروائي المغربي، وبعض المكونات الشعبية، فكل ما يلجأ إلى النص الروائي يصبح مرجعا داخل النسق، وقد نحا المؤلف منحى تحديد المفاهيم، خصوصا الأدب الشعبي من منظور موسع ومنهجي، ثم ينتقل للحديث عن التراث الشعبي في الرواية المغربية اشتغاله كمرجعية في عدد من النصوص السردية التي وظفت الإرث الشعبي بخصوصيات أسلوبية ودلالية وإيديولوجية مختلفة.

*التلقي: الأصول والاختبار والانتقال

في الدراسة الثانية (نظرية التلقي والنقد الأدبي العربي الحديث) بحث الكاتب في مختلف أصول نظرية التلقي مع أعلامها ومكوناتها، وتتبع ممارستها ونتائجها والنقاشات التي رافقتها في ألمانيا وخارجها، وذلك بمنهجية تتبنى البعد الابستمولوجي المقارن.

وهكذا فقد استهل البحث في مستوى التداول لمصطلح التلقي معجما (المعاجم العربية القديمة، والفرنسية والأمريكية والمعاجم الألمانية ثم الموسوعات البريطانية .... ) لينتقل إلى بدايات ظهور نظرية التلقي ضمن اهتمامات نظريات الأدب والانشغالات التي ميزت الاتجاه البنيوي، متوقفا عند مدرسة كونستانس وأهم أعلامها ثم مدرسة جنيف واجتهاداتها الهامة رغم عدم توسعها

وقد حفر المؤلف طويلا في أصول النظرية مع المدرسة الألمانية بتصورها الاجتماعي والتاريخي للفن والأدب ورد فعلها على التصورات ياوس وإيزر بخصوص جماليات التلقي وكذلك في الطريقة التي فصلوا فيها في العلاقة الجدلية القائمة بين الإنتاج والاستهلاك.

وفي تفكيكه لطروحات مدرسة كونستانس التي أعادت بناء تصور جديد لمفهوم العملية الإبداعية، وطرق اشتغال القراءة، ودور القارئ في إنتاج هذه العملية أو النص (ص 35) ، ناقش فرضيات أهم ممثلي هذه المدرسة وأولهم هانس روبيرت ياوس ومفاهيمه الأساسية، مثل مفهوم أفق الانتظار ومفهوم تغيير هذا الأفق، ومفهوم اندماجه وأخيرا مفهوم المنعطف التاريخي.

ثم تناول القطب الثاني، في هذه المدرسة، إيزر، ممهدا له بتصور الفيلسوف البولندي رومان انجاردن، مع التركيز على وصف دقيق للممتلكات النصية، وصيرورة القراءة.

وخلص الكاتب إلى خلاصات حول امتدادات نظرية التلقي وتطورها. ولعل هذه الدراسة الموسعة كانت تمهيدا أساسيا للبحث في اختبار التلقي والقراءة حول نص مغربي يعود إلى سنة (1938) وهو موضوع الدراسة الثالثة: (النص بين التلقي والتأويل: نص الدكتور طه حسين في(إلغ) لمحمد مختار السوسي) متبعا في الدراسة ما أنجزته نظرية التلقي، عامة في مجال القراءة، وفي مجال النص النقدي وذلك بهدف الوصول إلى"الكشف عن مختلف مستويات تلقي النص الأدبي النقدي، وتحديد الشروط التي تتحكم في صيرورة هذا التلقي ثم النظر إلى الطرق التي يتولد بها التأويل الذي يقوم على أنساق معرفية وجمالية تقليدية (ص 49) ، وقد توصل الباحث إلى أن قراءة محمد مختار السوسي بمرجعياته تقوم على تقديم المعرفة أكثر من قدرتها على إنتاجها (ولربما تأتي دراسة احمد أبو حسن هذه والنتائج المتوصل إليها لتعيد صياغة الجملة بحيث يستطيع نص مختار السوسي أن ينتج المعرفة بعد نصف قرن من كتابة مقالته) ولم يتوقف الباحث عند اختبار نظرية التلقي والقراءة على نص مغربي بل عاد في الدراسة الرابعة إلى البحث في انتقال النظرية (نقل المفاهيم بين الترجمة والتأويل: نقل مفاهيم نظرية التلقي) من النسق الأوروبي إلى النسق العربي معتمدا المقاربة النسقية ومنطلقا من فرضية أن مفاهيم الأنساق الأدبية الأوروبية تتعرض لكثير من التحولات والتشكلات التي قد لا تكتسب تداولا سريعا أو سليما في النسق الأدبي العربي (ص 75) ."

وقد حصر نقل مفهوم التلقي عبر الترجمة في النقد المغربي واستعمالاته والتأويلات المتفرعة، ودور البحث الجامعي في تطوير هذا المبحث.

وفي ارتباط بتلقي النقد المغربي الحديث للتصورات والمناهج، جاءت الدراسة الخامسة (الشكلانيون الروس والنقد المغربي الحديث) لتعرف بهذه المدرسة وتصنيفاتها وكيف تمثلهم الخطاب النقدي الأوروبي المعاصر قبل الانتقال إلى حضور الشكلانيين الروس في النقد العربي وتحديدا في النقد المغربي ومع ابراهيم الخطيب وترجمته المبكرة لأهم نصوص هذه المدرسة عبر الترجمة الفرنسية.

ويوسع أحمد أبو حسن حقل التلقي الثقافي في الدراسة السابعة من الكتاب (تشييد الآخر في الثقافة العربية الإسلامية) حيث رمى إلى الانتقال من تلقي النصوص إلى تشييد الآخر عبر تلقياته المختلفة ومن خلال الكشف عن تلك المكونات التي ساهمت في بناء صورة الآخر عن طريق بناء الأنا لذاتها، ثم الوقوف عند بعض المفاصل التاريخية التي تجعل الأنا تنفتح على تصورات أخرى جديدة تغذي تصورها عن الآخر.

يستحق الدكتور احمد أبو حسن صفة الباحث الأكاديمي المنقب الذي ينتمي إلى مدرسة نقدية مغربية وعربية من أهم أعلامها أحمد اليبوري محمد برادة ومحمد مفتاح وغيرهم ممن يؤسسون القواعد والأسس والمفاهيم.

وقد حقق بمؤلفه (في المناهج النقدية المعاصر ة) منجزا اشتغل على مباحثه النقدية لأزيد من عقد ونصف العقد، وبموازاة ذلك يفتح ملفات نقدية أخرى تهم السرد العربي القديم (كتاب الأغاني ونصوص الرحلات والحكايات) وملفات تحقق في المفاهيم والعلاقات النصية.

شعيب حليفي (المغرب)

سؤال: أفق التوقع أو أفق التقوقع في قراءة النص الأدبي!

صاغ النقاد - أو ترجموا - مصطلح"أفق التوقع"ليعبروا به عن تلك الشحنات الدلالية الموازية لقراءة نص أدبي.

فما نتوقع قراءته عندما نرى اسم"قصة"غير"قصيدة"غير"نص"غير وغير .. بكل ما يعنيه ذلك من تراث الشكل والمضمون للنوع الأدبي

وما نتوقع قراءته لكاتب معين يختلف عما نتوقع أن نقرؤه في كتاب أو نص يحمل اسم كاتب آخر بكل ما يحمله من معرفة بتراث الكاتب الشخصي خلال تاريخه الكتابي

أي أننا لا نبدأ القراءة أبدا بذهن خال ودون أحكام مسبقة ولذلك تأتي بعض النصوص صادمة لتوقعاتنا ولهذا الميراث من التوقعات الذي يصنعه لنا المناخ الأدبي والثقافي الذي نتحرك في إطاره.

وما يجعلني أطرح هذا المفهوم للسؤال هنا هو ما لاحظته في الكثير مما يقدم على هامش النصوص الأدبية من مقالات وقراءات وتعليقات ومتابعات صحفية. وما لاحظته هو أن الكثير من هذه القراءات تدخل النص بأفق منخفض للتوقع وتتعامل مع النصوص بكسل واضح في القراءة وكأن المعنى النهائي للنص هو شأن مضمون وواضح في ذهن قارئه بصورة لا يحتاج معها إلى أن يتعب نفسه في استقصاء جديد تطرحه بعض النصوص بصورة لافتة دون أن تثير - للدهشة - التفات القاريء.

ما الذي يسبب هذه الحالة الغريبة من قلة احتفاء القارئ بالنص؟!

وما الذي يجعل من قراءته مصادرة مستمرة على احتمالات النص الثرية وعلى قراءاته المتعددة؟!

ما الذي يقلص أفق توقعات القارئ العربي المثقف إلى هذا الحد المفقر للقراءة؟!

هل هي توقعاته أو خبراته السابقة تجاه النوع الأدبي أو الأساليب المختلفة في الكتابة والتي توحي له بمعرفة كل شيء وأنه ما عاد جديد ينتج؟!

أم أننا بالفعل في حالة تكرار ولا يوجد ما هو مغاير أو جديد أو مدهش؟!

صورة نظرية التلقي في النقد العربي القديم

محمد عدناني

غَالبا ما تُصِرُّ نَظَريّةٌ مَا على امتلاك الفهم الصحيح للنص، فَتُهَيِّءُ له من الأسباب ما يُرَسِّخُ في الأذهان هذه الأَحَقِّيَة، وتَتَوَسَّلُ بما يضمن القَبول لدى الجمهور. غير أن هذا الإصرار كثيرا ما يتلاشى أو يَفْتُرُ بظهور الاختلالات في القراءة. ومَرَدُّ ذلك إلى أن الظاهرة الأدبية في جوهرها لا تُسَيَّجُ بنظرية، ولا تُقَنَّنُ بمفهوم مُحَدَّدٍ يقطع الطريق على غيره، فادِّعاء فَهْمٍ دقيق للنصوص بِتَوَسُّلِ نظريَّةٍ مَا لا يَجُزُّ دابر الاختلاف بين الدارسين حول هذه النصوص، فهذه لها سِحْرٌ خاص قد لا يُدْرَكُ بِمَلَكاتٍ واعِيَّةً، بل بِلَحْظَةِ انْجِذابٍ قد لا يصل النقاد إلى تفسيرها كالمبدع تماما (1) .

…1 ـ تأطير

…ارتبطت نظرية التلقي ارتباطا آليا بالمدرسة الألمانية في الستينيات برافِدَيْهَا الأساسين:"جماعة برلين"التي كانت تنظر إلى التلقي باعتباره عملية فنية واجتماعية (2) محكومة بقاعدة فلسفية مُسْتَمَدَّةٍ من النظرية الماركسية، و"جماعة كُونْسْتانَسْ"التي تُعَدُّ المرجع الأساس في جمالية التلقي التي ستعيد للقارئ اعتباره من خلال رُوادها الكِبار"ياوُس وإيزَرْ"إذ لا يمكن، والمرء يتحدث عن التلقي، إلا أن يومي إليها بِطَرَفٍ، بل إنه يجد نفسه مضطرا للانطلاق من صميم أفكارها باعتبارها مركز إشعاع يضيء مسالك الخوض في قضايا التلقي.

…والحق أن ارتباط نظرية التلقي بهذه المدرسة ارتباط مشروع، ما لم يُلغي التصاق فعل التلقي بالعمل الإبداعي نفسه في كل العصور (3) فليس من الصواب أن تحتفظ مدرسة بعينها بحق امتلاك الرؤية الواحدة والتنظير لِما هو كَوْنِي، فالأسلم أن تتم مطارحة القضايا في إطار أوسع من التضييق الذي تنزع إليه النظريات.

…إن الوجود التاريخي لنظرية التلقي مُمَثَّلا في المدارس الألمانية يشكل حافزا إضافيا للبحث في ماهية التلقي، والعودة ببعض مفاهيم هذه النظرية إلى الوراء لا سيما إلى النقد العربي القديم.

…ومع أن الفاصل الزمني الكبير جدا يكاد يلغي مشروعية هذا البحث، فإن طبيعة الأدب وانفتاح النصوص وقابليتها لقراءات متعددة وتعاليها على البعد الزمني، مُسَوِّغَات أساسية للبحث عن صورة لهذه النظرية في النقد العربي القديم دون أن نتجاهل خصوصية كليهما، ودون أن نُغفل الظروف المحيطة بكل منهما.

…يقول محمود عباس عبد الواحد:"يبدو من محتوى النظرية، ومن الأجواء العقلية والسياسية التي صاحبت ظهورها في الأدب الألماني أن أساس المشكلة بين المتناظرين ليس فقط في فقدان التأثير المتبادل، بل مصدرها الخلافات المذهبية الحادة بين أطراف الحوار من رواد الرمزية والبنيوية، والجمالية الماركسية، والشكلية الروسية، فالنظرية، كما عرفنا، كانت تمردا على تلك المذاهب المنتشرة في ألمانيا آنذاك، ولعل اختيار مصطلح"الاستقبال"بالذات كان يمثل لدى أصحابه معنى من معاني التمرد على النقد الماركسي بشكل خاص" (4) . وهو ما يجعلنا نُدْرِكُ أن ما يميز نظرية التلقي الألمانية"هو أنها تطورت في إطار استراتيجي جماعي، بحيث كانت هناك قاعدة مُوَحَّدَة تجمع الباحثين الذين يشتغلون في دائرتها، وعلى رأسهم هانْسْ روبرت ياوس، وفولْفْ جانج إيزر" (5) .

…إن أبرز فكرة جاءت من أجلها نظرية التلقي هي إعطاء القارئ مكانة متميزة ضمن العملية الإبداعية. فالنص ليس ذا قيمة ما لم يُقْرَأ وما لم يكن قابلا لقراءات متعددة، مُسْتَعْصِيا على أن يُسْتَهْلَكَ من قراءة واحدة، وهذا بالذات هو ما حاولت الاتجاهات السابقة على نظرية التلقي تزكيته، إذ كان جهدها ينسحب إلى إبراز القيمة الفنية للنصوص في ذاتها وما تختزله من جمالية دون الالتفات إلى جهد القارئ. فالنص في نظر هؤلاء قائم بذاته مكتمل بما يختزله من مكونات، غير منقوص بقراءة أو مبتور بفهم، وما القارئ إلا مستهلك باحث عما يفترض أنه كائن في هذا النص الذي يكفيه حاجته. غير أن نظرية التلقي ستنحو منحى مخالفا لهذا الإيمان"بعبقرية النص"، ولذلك"بدا من الصعب أن يخطر ببال النقد أن النص ليس في وسعه أن يمتلك المعنى إلا عندما يكون قد قُرِئَ" (6) .

…إن التلقي، بغض النظر عن ميزة النص ومَلَكَةِ القارئ، فِعْلٌ إنساني خالص مُتعالٍ عن الزمان والمكان، قبل أن يُحاصَر بتصورات تحاول وضعه في إطار خاص وفق توجهات محددة (7) . ونحن بهذا لا نريد خَلْخَلَةَ ما تَرَسَّخ في أذهان المهتمين بالنظريات، ولا نريد أن نَحْجُبَ بهذا التعميم البُعْدَ المنهجي في تصورات المدارس. وإنما نهدف فقط توسيع المفهوم وألاَّ يُخْتَزَلَ في مدرسة بعينها، وإن كنا سنركز في كثير من الأحيان على ما جاء في مدرسة كُونْسْتانَس محاولين إيجاد صورة لأطروحاتها في النقد العربي القديم.

…1 ـ التلقي في النقد القديم

…2 ـ 1 البعد التاريخي للتلقي

…قلنا إن التلقي فعل حُرٌّ قديم قِدَم الإبداع، ومُطْلَقٌ غيرُ خاضع لفترة زمنية محددة. ودون أن نُفيض في التدليل على ذلك سنحاول وضع مصطلح التلقي في إطاره التاريخي في الثقافة العربية لتبيين دلالاته. فقد وردت كلمة التلقي في القرآن الكريم غير ما مَرَّةٍ. يقول سبحانه في الآية 37 من سورة البقرة: (فَََتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاُب الرَّحيمُ) ، ويقول عز وجل في الآية 6 من سورة النمل: (وَإِنَّكَ لَتُلَقََّّى القُرْآنَ مِنْ لَدُنِ حَكِيمٍ عَليمٍ) .

…إن ما يهمنا هنا، إضافة إلى قِدَمِ المُفْرَدَة، هو التركيز على الجانب التواصلي"والتفاعل النفسي والذهني مع النص، حيث تَرِدُ لفظة التلقي مرادفة أحيانا لمعنى الفهم والفِطنة وهي مسألة لم تَغِبْ عن بعض المُفَسِّرين في الإلماح إليها، ولم تغب كذلك عن أُدبائِنا ورُوَّاد التراث النقدي" (8) .

وحين نعود إلى نظرية التلقي الألمانية ونستقريئ الكثير من مفاهيمها، خصوصا مفهوم"أفق الانتظار"الذي تقوم عليه نظرية ياوْس (9) ونربطها بتاريخ الأدب والنقد القديم، نتبين أنها مفاهيم مُمارَسَةٌ ومُسْتَهْلَكَة منذ أرسطو الذي أولى اهتماما خاصا للمتلقي/الجمهور. ومشهور حديثه عن التأثير الذي تُخَلِّفُهُ الأشعار لا سيما التراجيديا في المتلقي. حتى أن"رواد الفكر والأدب الغربي حتى يومنا يَنْزَعون إلى أحكامه وآرائه في مذاهبهم ونظرياتهم الأدبية الجديدة" (10) .

…وهو ما يجعل بعض الدارسين يظنون أن"فكرة أرسطو حول الأثر الناتج عن عملية التلقي للنص المسرحي كانت من الأُسُس التي عَوَّلَ عليها رواد نظرية الاستقبال في حديثهم عن مهمة القارئ ومشاركته في صنع المعنى، وفي رؤيتهم لمعنى التفاعل بين النص وجمهوره (11) وهذه حقيقة لم يُلْغِهَا رواد نظرية التلقي الألمانية، وتحديدا ياوس الذي ركز على المُعْطى التاريخي في نظريته، إذ لم يُسْقِطِ البُعْد التاريخي، ولم يقطع أواصر العلاقة بين الحاضر والماضي، وهو ما عبر عنه جان سْتاروبانْسْكي بوضوح قائلا:"إن اهتمام ياوس، على هذا الوجه، بالمتلقي الذي يستجيب للمؤلِّف و"يُحَيِّنُهُ"يربط فكر ياوس بأفكار سابقة أرسطية وكانطية. وذلك أن أرسطو وكانط كانا الوحيدين تقريبا اللذين استطاعا في الماضي إقامة جمالية (خاصة بكل منهما) تأخذ أثر الفن في المتلقي بعين الاعتبار بصورة منهجية" (12) ."

…2 ـ 2 مفهوم أفق الانتظار والنقد العربي القديم.

…لا شك أن التراث النقدي العربي يُضْمِرُ كثيرا من الصور النَّضيرَةِ للعديد من المُمارَسات النقدية الحديثة، وبتعميق البحث في هذا التراث نُدْرِكُ أن مفهوم التلقي مُمارَسٌ بوضوح في النقد العربي القديم بمفاهيمه الحديثة التي أفرزتها نظرية التلقي الألمانية، والأكثر من ذلك أن هذه الممارسة ظلت حُرَّةً في غالب الأحيان، بعيدة عن الإكراهات التي جاء الألمان لتجاوزها بنظريتهم (13) .

…ولنكون منسجمين مع أنفسنا من الناحية التاريخية نبدأ الحديث، في هذا المحور، بالنقد في العصر الجاهلي الذي اعْتُبِرَ بسيطا في جوهره لايتجاوز نَقَداتٍ وتَقَلْقُلاتٍ تَصْدُرُ عن تأثر وانطباع غير محكومين برؤية منهجية واضحة، إلا أن الكثير من نماذجه التطبيقية ذات دلالة عميقة في تفاعل الناقد والشاعر والجمهور والرواة ... مع النص دون الالتفات إلى صاحبه. وحسبنا أن نورد بعض النماذج التطبيقية كتلك التي أَرَّخَتْ لتنازع امرئ القيس وعَلْقَمَة الفَحْل واحتكامهما لأُمِّ جُنْدُب زَوْجِ امرئ القيس. عَرَضَ عليها علقمة الفحل قوله:

…فَأََْدَرَكُهَّن ثَانِيا مِنْ عِنانِهِ…يَمُرُّ كَمَرِّ الرَّائِحِ الْمُتَحَلِّبِ.

…وقال امرؤ القيس:

…فَلِلسَّوْطِ أُلْهوبٌ وَلِلسَّاقِ دَرَّةٌ…وَلِلزَّجْرِ مِنْهُ وَقْعٌ أَخْرَجَ مِنْعَبِ.

…إن ما يهمنا ليس هو تكرار الواقعة المشهورة بين كل الدارسين، ولكن الذي نأخذ به هو النتيجة، فأُمُّ جندب حكمت لصالح علقمة دون أن تلتفت إلى علاقتها بزوجها أو ظروف كتابة القصيدتين اللتين تحويان أبيات التنازع، فكان أن عَلَّقَتْ على هذا التفضيل بتعليل مُسْتَمَدٍّ من داخل النص، أي من خلال ما جاء في البيتين، وكأنها بذلك تُحَقِّقُ فكرة موت المؤلِّف التي نادت بها البنيوية وعَضَّدَ بها رواد نظرية التلقي دور المتلقي الذي مُنِحَ المكانة المتميزة. فقد بَرَّرَتْ تقديم أبيات علقمة بقُدرته على إعطاء صورة متميزة لجواده، ففي الوقت الذي احتاج فيه امرؤ القيس لِزَجْرِ جواده وتَعْنِيفِه ليكون أكثر سرعة، قدَّم علقمة جواده يعدو بطريقة انْسِيابِيَّةٍ وكأن السرعة خِصِّيصة فِطْرِيَّة فيه.

…إننا نلمح في هذه الواقعة أمرين أساسيين بوضوح: أما الأول، فالتصاق أم جُندب بالأبيات مباشرة دون أن تلتفت إلى تلك العلاقة التي تجمعها بزوجها وهو طرف في هذا التنازع. أما الأمر الثاني، فيتمثل في ذلك النُّضْج الذي أصبح يتميز به المتلقي، إذ أصبح من كثرة استئناسه بالنصوص واحتكاكه بها يتوقع ما يجب أن يقع، وأضحت حاسة النقد لديه متدربة، ومقاييس الحكم المُبَرَّرِ مُسْنًَدَة بمعرفة ودِراية. وذلك ما يسمى في نظرية التلقي ب"أفق الانتظار", فالقارئ كما يقول ستاروبانسكي هو"ذلك الذي يقوم بدور المتلقي والمُمَيِّز (أي بالوظيفة النقدية الأساسية المتمثلة في القَبول أو الرفض) " (14) .

…ولعل تعليق طَرَفَةَ بنِ العَبْد على بيت خاله المُتَلَمِّسِ:

…وَقَدْ أَتَناسَى الْهَمَّ عِنْدَ احْتِضارِهِ…بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةَ مُكْدَمِ.

بقوله:"اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ."لَدليل على رفض طَرَفَة للخلط الذي وقع فيه المتلمس بإسناد صفة النُّوق إلى الأَباعِرِ، إذ الصَّيْعَرِيَّةُ تكون في عُنُق الناقة لا في عنق البعير.

…وحين يعرض المرء إلى الانتقاذ اللاذع الذي وجَهَهُ النابغة والخنساء إلى بيت حسان بن ثابت:

…لَنَا الجَفَناتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالُّضَحى…وَأَسْيَاُفَنا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا

يتأكد أن النابغة والخنساء كانا يتوقعان أن يحقق حسان معنى أقوى للبيت من هذا الذي صنعته له كلمات:"الجِفان"،"يلمعن"،"الضحى"،"يقطرن"... ، فاقترحا مفردات أخرى تحقق للبيت هذه القوة والمناعة. وهذه إنما هي فِطْْنة من المتلقي وتَحَسُّسٌ منه لِما ينبغي أن يصدر عن الشاعر، والتصاق مباشر بالنص.

…ومع تعاقب الحِقَبِ سيتبلور هذا الإحساس بالنص مُجَرَّدا، وستظهر صُوَرُ التلقي بالمفهوم الألماني واضحة مع الجاحظ: قال:"فإن أرَدْتَ أن تَتَكَلَّفَ هذه الصناعة، وتُنْسَبَ إلى هذا الأدب، فَقَرَضْتَ قصيدة، أو حَبَّرْتَ خُطْبة أو أَلَّفْتَ رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عُجْبُك بِثَمَرَةِ عقلك إلى أن تَنْتَحِلَهُ وتَدَّعِيَهُ. ولكن أعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تُصغي له والعيون تُحَدِّقُ إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله ( ... ) فإذا عاوَدْتَ أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهيةً، فَخُذْ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زُهدهم فيه" (15) .

…الواضح والأساسي في قول الجاحظ هو تركيزه على العلاقة بين الإنتاج والجمهور، فالمُعَوَّلُ عليه هو القارئ واستحسانه أو نُفوره من هذا الإنتاج، فالنظر هنا ينسحب إلى المتلقي لا إلى النص نفسه.

…2 - 3 - التلقي الخالص

…تعددت النظريات الأدبية بتعدد أطراف العملية الإبداعية فأخذت بعض هذه النظريات تتجه نحو طرف دون آخر، مركزة كل مجهودها على الاهتمام بجانب من جوانب الظاهرة الأدبية. ونتيجة لذلك ظهرت النظريات النَّصِّيَّة التي تنزع النص من واقعه انتزاعا وتحاول مقاربته بناء على ما يختزله من مكونات تتصل باللغة والأسلوب، وفي مقابلها كانت نظريات أخرى تسعى إلى وضع النص في علاقة حميمة مع السياق التاريخي والاجتماعي والنظر إليه في ظل مناخ فكري معين. وفي كلتا الحالتين كان التفات هذه النظريات إلى المتلقي نادرا ما لم يكن منعدما. غير أن نظرية التلقي جاءت لتعيد للقارئ اعتباره مركزة اهتمامها على دوره في العملية الإبداعية لا سيما في علاقته بالنص، وكأنها بذلك تتجاوز نواقص النظريات السابقة. يقول الأستاذ محمود عباس عبد الواحد:"ومعنى هذا أن النظرية الجديدة حركَةُ تصحيح لزوايا انحراف الفكر النقدي لتعود به إلى قيمة النص، وأهمية القارئ، بعد أن تَهَدَّمَتِ الجُسور الممتدة بينهما بفعل الرمزية والماركسية. ومن تم كان التركيز في مفهوم الاستقبال لدى أصحاب هذه النظرية على محورين فقط، هما على الترتيب: القارئ والنص. فالقارئ عندهم هو المِحْوَرُ الأهم، والمُقَدَّمُ في عملية التلقي، وعلاقته بالنص ليست علاقة جَبْرِية موظَّفة لخدمة نظام أو طبقة كما في الماركسية، وليست علاقة سلبية كما هي في المذهب الرمزي. وإنما هي علاقة حرة غير مقيدة" (16) .

والأكثر من هذا أن الاتجاه إلى الكاتب ومحاولة إبراز أحواله النفسية ومعالجة الظروف التاريخية والاجتماعية التي يصدر عنها، لم يكن من شَواغل هذه النظرية. وهو أمر محسوب كذلك لنقادنا القدماء ولأرسطو أيضا، بمعنى أن"الاهتمام بعوامل التأثير التي تُصاحِب الأديب ساعة ميلاد النص قد ارتبطت بحركة النقد بعد ظهور الدراسات النفسية في العصر الحديث، فلم يكن من شواغل أرسطو ولا نقادنا إلا في حالات نظرية قليلة (17) ."

…فإذا كانت الفكرة المحورية في نظرية التلقي هي الارتقاء بدور القارئ وتَثْبيته قُطْبا فاعلا في أطراف العملية الإبداعية، فإن النقد العربي القديم أفرز لنا قُرّاءص فاعلين ومُنْتِجِين من خلال قراءتهم للشعر العربي، ويظهر ذلك من خلال التصورات المختلفة التي صاحبت إنتاج الشعر والمقاييس التي وضعها هؤلاء لشعر جيد، وشاعر فحل مُفْلِقٍ. وكذا استخلاص ابن قتيبة لبناء القصيدة العربية الذي صاغه بوضوح في قصيدة المديح. وهو نموذج أفرزته قراءة واعية ومُسْتَوْعِبَة، ونتيجة لِتَحَرُّرٍ من كل ما من شأنه أن يشوش على هذه العلاقة الصافية بين النصوص ومتلقيها.

…وإذا تقدمنا قليلا، سنجد هذا الوعي قد وصل إلى نضجه التام في تاريخ النقد العربي مع ظهور المختارات الشعرية (المُفَضَّلِيَّات، الأَصْمِعِيَّات، وحماسَتَيْ أبي تمام والبحتري) .

…فهذه إنما هي رؤية نقدية نابعة من علاقة أدبية صِرْفٍ من الموروث الشعري العربي، مستمدة من مقاييس صنعتها التجربة الأدبية لهؤلاء بغض النظر عن بواعث ومنطلقات الاختيار لدى أصحاب المختارات. فما هو مشترك بين هذه المختارات هو الأبعاد الانسانية والقِيَمُ الأخلاقية والفكرية والثوابت الفنية المتعارَف عليها آنذاك. ويبقى إثبات كثير من القصائد والمقطوعات دون الإشارة إلى أصحابها دليلًا على انتصار القيم الفنية ودليلًا على درجة وعي المتلقى العربي بروعة هذا الإبداع.

…إن الاختيار، إذن تَلَقٍ وتفاعُلٌ كامل مع النصوص. وتمحيص لطبيعة هذه العلاقة بين النِّتاج الأدبي وذوق صاحب الاختيار، فلا دخل هنا لِنَزَاعات مذهبية (18) .

…ومن ثمرات هذا التلقي الخالص، استنباط عمود الشعر من قِبَلِ المرزوقي بعد أن كان القاضي الجُرجاني قد وضع عمود شعر سابق يختلف في كثير من جوانبه عن عمود الشعر عند المرزوقي المُسْتَنْبَطِ من حماسة أبي تمام بصورة خاصة.

…فقد احتك المرزوقي بهذه الحماسة، ومن خلال الاحتكاك بمتنها"من الاختيارات النقدية و"الروائية"السائرة في طريق الحماسة والمخالفة لها. اكتشف المرزوقي استراتيجية اختيار أبي تمام ووعاها وعبر عن وعيه في أسئلة صريحة حول شرائط الاختيار وعمود الشعر حتى وإن بقيت الأجوبة غامضة وملتبِسة أحيانا (19) وهذه الاسئلة الجوهرية"هي نفسها التي تُطْرَحُ في كل عصر: ما الخصوصية الأدبية؟ ما الذي يميز الشعر عن غيره؟ لماذا يختلف الناس في تلقيهم للأدب؟ إنها أسئلة صريحة بما فيها من صراحة وعمق" (20) ."

…وستجد هذه الأسئلة صداها الكبير عند الكثير من النقاد العرب القدامى بدءًا بعبد القاهر الجرجاني في كتابَيْهِ"الدلائل والأسرار"وانتهاء بمن جاء بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت