وفيه:( أنه لما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له إبليس عند جمرة العقبة فقال له
جبريل: كبر وارمه سبع حصيات ، فرماه فغاب عنه ، ثم برز له عند الجمرة
الوسطى فقال له جبريل: كبر وارمه فرماه إبراهيم سبع حصيات ، ثم برز له عند
الجمرة السفلى فقال له جبريل: كبر وارمه ، فرماه سبع حصيات مثل حصى
الخذف ، فغاب عنه إبليس ، ثم مضى إبراهيم في حجه )الحديث .
وليس تمثل الشيطان للأنبياء ولا ظهوره لهم بغريب في قصصهم ففي الإنجيل
المعتمد عند النصارى أنه ظهر للمسيح عليه السلام وجربه تجارب طويلة .
فإذا صح أن إبليس عرض لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في أثناء أداء
مناسكه بظهور ذاته أو مثاله ، أو بمجرد التصدي للوسوسة والشغل عن ذكر الله
تعالى فلا غرابة في قذفه ورجمه كما يطرد الكلب ، فمن المعروف في الأخلاق
والطباع أن يأتي الإنسان بعمل عضوي يظهر به كراهته لما يعرض له حتى من
الخواطر القبيحة ودفعه عنه وبراءته منه ، فأخذ الحصيات ورميها مع تكبير الله
تعالى من هذا القبيل ، وإن حركة اليد المشيرة إلى البعد لتفيد في دفع الخواطر
الشاغلة للقلب .. والرجم بالحجارة بقصد الدلالة على السخط والتبري أو الإهانة
معهود من الناس ، وله شواهد عند الأمم كرجم بني إسرائيل مع يشوع( النبي
يوشع عليه السلام )لمجان بن زراح وأهله وماله من ناطق وصامت( كما في7: 24
و25 )من سفر يشوع ، وكرجم النصارى لشجرة التين التي لعنها المسيح ، ورجم
العرب في الجاهلية لقبر أبي رغال في المغمس بين مكة و الطائف ؛ لأنه كان يقود
جيش أبرهة الحبشي إلى مكة لأجل هدم الكعبة حرسها الله تعالى .
والعمدة في رمي الجمار ما تقدم من قصد التعبد لله تعالى وحده ، بما لا حظ
للنفس فيه اتباعًا لإبراهيم أقدم رسل الله الذين بقيت آثارهم في الأرض ، ومحمد
خاتم رسل الله ومكمل دينه ومتممه الذي حفظ دينه كله في الأرض ، صلى الله
عليهم أجمعين .