الصفحة 40 من 40

استغرق سفر الحج سنة أو أكثر ، وكان مريد الحج يوطن نفسه على الموت ،

فيكتب وصيته ويودع أهله لبعد الشقة وشدة المشقة ولفقد الأمن على الأنفس

والأموال ، وكانوا يعدون ما ينفقونه في سفر الحج أفضل نفقاتهم ، ويعدون أفضلها

في تطهير أنفسهم وتزكيتها ما ينفقونه في نفس الحرمين الشريفين من الصدقات

والقربات على أهلهما ، مهما يكن من عنائهم فيهما .

ولما أنشئت البواخر الكبار المواخر في جميع البحار قرَّبت المسافات ، وقللت

النفقات ؛ ولكن أصحابها من شعوب الفرنجة المستعمرين للأقطار الإسلامية تواطئوا

على معاملة الحجاج فيها أسوأ من جميع أصناف المسافرين ؛ ليصرفوا أكثر أغنياء

المسلمين المترفين عن الحج ، وزادوهم رهقًا بما وضعوا من النظم الشديدة للحجر

الصحي عليهم ، وواتتهم الحكومة المصرية على ذلك ، فكانت معاملات رجالها

للحجاج في موانيها ومحاجرها أقسى من كل ما يقاسونه في غيرها شدة وإهانة ونفقة ،

ولا تزال تعد أرض الحجاز بيئة وبائية بسوء خضوعها للسيطرة الأوربية ، وقد

مرت عشرات من السنين لم يقع فيها وباء في الحجاز ، ومن المعلوم بالقطع أنه ما

وقع وباء فيه من قبل إلا منتقلًا إليه من غيره من الأقطار ولا سيما الهند ، ولا تزال

الحكومة المصرية تفرض على من يسافر إلى الحجاز لأداء فريضته ، ومن يعود

منه معاملة شاذة مرهقة لا تعامل بمثلها من يسافر من الهند أو يجيء منها ، على أن

وطأتها خففت في السنين الأخيرة ، وقد دخل موسم هذا العام في طور جديد من

الراحة والسهولة والاقتصاد والانتظام بما أعدته له شركة بواخر مصر في باخرتيها

زمزم والكوثر ، وسنبين ذلك في مقال آخر مع ما يجب على الحجاج في دينهم

شكرًا على هذه النعم عليهم .

(( مجلة المنار ـ المجلد [ 34 ] الجزء [ 7 ] صـ 560 رمضان 1353 ـ يناير 1935 ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت