فهرس الكتاب
وقد رأينا أن ننقل كلامهم برمته على ما فيه من الركاكة واللغو والضعف،
وإطلاق بعض الكلم على غير المعاني التي نطلقها عليها، ولكن لا نناقشهم في شيء
من الألفاظ لذاتها، ولا في العبارة من حيث ضعفها، بل في المسائل والمعاني، وقد
كان الغرض الأول من نقل عبارتهم بنصها، وعدم تلخيص مسائلها والرد عليها،
أن لا يتوهم أحد منهم أو من غيرهم أننا تصرفنا في التلخيص تصرفًا يخل بالمعنى
المراد، أو حذفنا منه ما لا يمكن ردّه بنقض ولا انتقاد، واستتبع ذلك بيان أن القوم
لا يوثق بنقلهم ولا بفهمهم.
ومن المعلوم بالضرورة أنهم ليسوا كالفلاسفة، الذين يبحثون في المسائل؛
لأجل استبانة الحق في ذاته، وإنما يتحرون بالبحث ما يرون فيه سبيلًا للطعن
والاعتراض، ومجالًا للتشكيك وإثارة الشبهات، كما يعلم مما يأتي.
الجملة الأولى من مقدمة الطاعن
افتتح طاعنهم مقالته بجملة تتضمن عدة دعاوى هذا نصها:
(إن صحة الشريعة قضية لا بد لكل مسلم سني من التسليم بها وذلك متوقف
على صحة السنة، فإذا ارتاب أحد في صحة السنة، فليس ثمة داعٍ منطقي يوجب
إطاعة الشريعة؛ لأن جانبًا قليلًا منها فقط يتوقف على القرآن، والجانب الأكبر
يتوقف على السنة التي اجتمعت في الأحاديث. فإذا ثبت الريب في هذه الأحاديث
تزعزعت أركان الشريعة وأركان تابعيها من حنفيّ و مالكيّ و شافعيّ و حنبليّ.
وعددهم لا يقل عن ثلاث مئة مليون من الأتباع).
نلخص هذه الجملة من كلامه في ثلاث قضايا ونبين ما فيها.
القضية الأولى
(زعمه إذا ارتاب أحد في السنة ينتفي وجوب طاعة الشريعة)
هذه القضية بديهيّة البطلان، فإن الإطلاق في جزاء الشرط يدل على أن
المراد من القضية الشرطية أن ارتياب فرد من الأفراد في صحة السنة، يستلزم
انتفاء وجوب اتباع الشريعة على جميع الأفراد، وإنما المعقول الموافق للمنطق أن
ارتياب الفرد أو ظنه أو علمه، يترتب عليه ما يستلزمه في حق نفسه، ولا يكون