فهرس الكتاب
ذلك مؤثرًا في غيره ممن لم يرتب ارتيابه أو لم يعلم علمه، وكذلك ارتياب الأفراد
الكثيرين.
وقد ارتاب بعض علماء أوربة الأحرار في وجود المسيح - عليه السلام -،
وزعموا أنه شخص خيالي - أو متخيل - لم يوجد، كما زعم بعض المؤرخين مثل
ذلك في هوميروس شاعر أساطير اليونان، فهل استلزم ارتياب أولئك المرتابين فيه
انتفاء إيمان مئات الملايين من المسلمين والنصارى وغيرهم بوجوده عليه السلام.
القضية الثانية
(زعمه أن أكثر الشريعة يتوقف على الأحاديث)
هذه القضية غير مسلَّمة، فإن الشريعة عندنا تشمل العقائد والعبرة فيها بالدلالة
القطعية، وجميع العقائد التي تتوقف عليها صحة الإسلام ثابتة بنصوص القرآن
وإجماع المسلمين، وإثبات الألوهية والنبوة منها مؤيد بالبراهين العقلية، ولا يوجد
شيء منها يتوقف على أحاديث الآحاد التي يمكن الارتياب في بعضها، وكذلك
أصول العبادات كلها قطعية، ثابتة بالقرآن والسنة العملية المتواترة التي لا تتوقف
على أحاديث الآحاد.
وما ثبت من أحكام العبادات بأحاديث الآحاد ولم يجمع عليه أئمة العلم فلا
تتوقف عليه صحة الإسلام، وإن كان صحيحًا في نفسه، وإنما هو مزيد كمال في
علم السنة، أما أحكام الشرع في المعاملات، فأكثرها مأخوذ من القواعد والأصول
وكذا الفروع الواردة في القرآن، إما بالنص وإما بدلالة النص وفحواه، ومن القياس
الذي توسع فيه بعضهم كالحنفيّة فالشافعيّة، والمصالح العامة التي توسع فيها المالكيّة
والحنابلة. وأقلها من حديث الآحاد.
وما بقي من أركان الشريعة بعد العقائد والأحكام العملية إلا الأخلاق والآداب،
وجميع ما ورد في الأحاديث من الحكم والفضائل والآداب فهو مستمد من القرآن
الحكيم وشرح له، بل السنة كلها بيان للقرآن لقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل: 44) ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة
-رضي الله عنها- أنها وصفت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقولها: كان
خلقه القرآن.