الصفحة 115 من 374

وقد اختلف العلماء في أحكام السنة التي لا تستند إلى نص من القرآن فقيل:

إنها بوحي من الله - تعالى -، وإن الوحي لا ينحصر في القرآن، ولكن للقرآن

مزايا ليست لغيره من وحي الله إلى خاتم رسله ولا إلى الرسل قبله، أعظمها

إعجازه والتعبد بتلاوته. وقيل: إن الله - تعالى - أذن لرسوله بأن يحكم، ويشرع

برأيه واجتهاده.

ومن تأمل كثيرًا من الأحكام التي استدلوا عليها بالسنة وحدها، يرى لها مآخذ

من القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وبين عمتها أو خالتها إلى الزواج، وكتحريم

الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وقد بيّنا ذلك في المنار، كما بينا تفاوت

الأفهام في الغوص على دول القرآن، وأين أفهام الناس كلهم فيه من فهمه - عليه

الصلاة والسلام -؟ وقد ثبت مع ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقضي في

المسائل السياسية والإدارية باجتهاده، ويستشير فيها أصحابه.

القضية الثالثة

(زعمه أنه إذا ثبت الريب في الأحاديث تزلزلت أركان الشريعة)

هذه القضية غير مسلَّمة أيضًا، وفيها إجمال وإيهام، فإذا أراد بثبوت الريب

في الأحاديث ما أفادته جملته الأولى من ارتياب بعض الأفراد، ولو واحدًا فقد بينا

أن هذا لا يترتب عليه إلا ما يستلزمه الارتياب في نفس المرتاب وحده، وإذا أراد

ارتياب جميع الناس أو جميع المسلمين في جميع الأحاديث، فهذا ما وقع، ولن يقع

ولا يعقل أن يقع، وسنشرح ذلك على وضوحه في نفسه، فإن فرضنا جدلًا أنه يقع

فإنما يترتب عليه حينئذ الاكتفاء في الدين بما في القرآن والسنة العملية المنقولة

بعمل مئات الألوف وألوف الألوف منذ العصر الأول، ككيفية الصلاة والصيام

والحج وغير ذلك، وبما ثبت بالإجماع والقياس الصحيح، ولا ينقص من كتب

الشريعة حينئذ إلا الأحكام والحكم التي ثبتت بأحاديث الآحاد وحدها كما بيناه في

الكلام على القضية الثانية.

وبهذا وذاك يظهر لك بطلان قوله:(تزعزعت أركان الشريعة وأركان

تابعيها)، فإن أراد بأركان الشريعة أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها

المرء مؤمنًا، فقد علمت أنه لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد، وإن أراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت