فهرس الكتاب
أركان الإسلام الخمسة فكذلك، فإن معرفة هذه الأركان لا تتوقف على ثبوت
الأحاديث الواردة فيها، فإنها مُجمع عليها معلومة من الدين بالضرورة، سواء صح
ما ورد فيها من الحديث أم لم يصح، على أنه صحيح، ولله الحمد، وإن أراد
بأركان الشريعة أو أركان تابعيها أصولها المستمدة منها عند الأئمة الأربعة فقوله
أظهر بطلانًا، فإن هذه الأركان أربعة -الكتاب والسنة والإجماع والقياس-، وما
ألحق بها عند بعضهم كالمصالح والاستحسان، فالأحاديث جزء من السنة التي هي
ركن من الأركان، فالارتياب في هذا الجزء لا يوجب الارتياب في الجزء الآخر
منها، وهو ما ثبت بالتواتر عملًا أو قولًا، فكيف يوجب الارتياب في القرآن وكله
متواتر، وفي الإجماع والقياس؟
قلنا: إن ارتياب جميع الناس أن جميع المسلمين في جميع أحاديث الآحاد ما
وقع، ولن يقع ولا يعقل أن يقع، وبيان ذلك أن المعهود من البشر في كل زمان
ومكان أن يصدقوا خبر كل مخبر؛ لأن الأصل الغالب في أخبار الناس الصدق،
إلا إذا وجدت علة في الخبر أو المخبر تقتضي الارتياب، كأن يكون الخبر غير
معقول أو يكون المُخبِر معروفًا بالكذب. على أننا نرى الناس يصدقون أكثر أخبار
الجرائد السياسية والشركات البرقية على كثرة ما عرفوا من كذبهما، واعتقادهم أن
لأصحابهما أهواء سياسية يحاولون تأييدها بالحق وبالباطل.
فإذا كان هذا شأن البشر في أمثال هذه الأخبار التي تحوم حولها الشبهات في
أنفسها، وفي سيرة رواتها، فكيف يعقل أن يرتابوا في صحة جميع الأحاديث التي
صححها حفاظ المحدّثين بعد نقد متونها، وإقامة ميزان الجرح والتعديل لكل فرد من
أفراد رواتها، وقد علم أنهم لا يقبلون في الاحتجاج حديثًا منقطع الإسناد، ولا حديثًا
في رواته مجهول، أو أحد ثبت عليه الكذب أو سوء الحفظ أو النسيان أو مخالفة
الثقات الأثبات في روايته؟
ها أنتم أولاء تصدقون أخبار أناجيلكم الأربعة وغيرها من كتبكم، وليس
عندكم سند متصل لشيء منها، وقد اختلف علماؤكم ومؤرخوكم في كُتّابها، وفي
اللغات التي كتبت بها، وفي التواريخ التي كتبت فيها، فلم يتوفر لكم فيها شيء من
النقد والتمحيص الذي توفر لنا في نقل الحديث، أفتعقلون مع هذا، أن نرتاب في
تصديق جميع الأحاديث التي نقلت لنا بدقة، لم يعهد لها البشر نظيرًا في تاريخهم