الصفحة 118 من 374

القضية الخامسة

زعمه أن البخاري

لم يخطر بباله الارتياب في صدق الصحابة لاعتقاده عصمتهم

هذه القضية باطلة أيضًا لأنها حكم بعموم السلب، على شيء يتعلق بالقلب لا

يعلمه إلا الرب، فإن مثل هذا الكاتب لا يناقش في مثل هذا التعبير؛ لأنه لا يفرق

بينه وبين القول بأن البخاري لا يتهم أحدًا من رواة الصحابة بالكذب، ولا بغيره من

العلل القادحة في الرواية، وإنما نريد بيان بطلان زعمه أن البخاري كان يرى أن

رواة الصحابة معصومون.

والصواب أنه كان يرى ويقول: إنهم عدول صادقون ولا معصومون، وما

قال هذا القول هو وغيره من نقاد المحدثين إلا بعد تتبع تاريخهم، كغيرهم من

الرواة، وقد نقل عنه الطاعن ما أراد أن يسقط به عدالة أبي هريرة، وشيئًا من

تمحيصه لما يرويه، فالبخاري كان أعلم من الطاعن بكل ما قيل في أبي هريرة،

وبما رواه أبو هريرة، ولم يره مُسقطًا لعدالته، ولو رآه مسقطًا لها لما روى عنه

في صحيحه.

وقد كان البخاري من أئمة أهل السنة الذين لا يقولون بأن أحدًا من البشر

معصوم من الكذب إلا الأنبياء - عليهم السلام -، وصدق الرواية لا يتوقف على

العصمة، وإلا لما قبل أحد من البشر قول أحد بعد تبليغ أنبيائهم الوحي، وإنما

يكتفى في تصديق الرواية العلم بعدالة الراوي، وجوده حفظه وضبطه لما يرويه،

ولم ينقل عن أحد من مؤرخي البشر، ونقلة الأخبار مثلما نقل عن البخاري من شدة

التحري في كتابه الجامع الصحيح، فليأتنا هذا الطاعن بمثله أو بما يقرب منهم من

علمائهم، كيف، وكتبهم المقدسة تنسب الكذب وغيره من كبائر المعاصي إلى

الأنبياء - برأهم الله تعالى، وصلى الله عليهم وسلم -؟

وهؤلاء المبشرون وأهل نحلتهم لا يقولون بعصمة الأنبياء، دع عصمة ناقلي

كتبهم بغير أسانيد متصلة، ولكنهم يقبلون ما عزي إليهم، وسنشير إلى المقابلة بين

رجالنا ورجالهم في هذا المقال، ولا حاجة إلى تفنيد قوله بضعف حجة البخاري،

الذي بناه على زعمه أن البخاري، يعتقد عصمة الصحابة، فهو ساقط في نفسه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت