فهرس الكتاب
واستدلوا على ذلك بحديث سمرة رضي الله عنه عند مسلم في الصحيح(من حدث
عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)ويروى (يرى) بضم الياء أي يظن
وفي (الكاذبين) روايتان: التثنية والجمع. وأنت ترى أن بعض الأحاديث التي لا
تصل إلى درجة الوضع في اصطلاحهم قد يظن الظان أنها كذب بل قد يعتقد ذلك
بقرائن قوية ككون أسلوب الحديث وعبارته كعبارات المولدين، وكون معناه مخالفًا
لما هو ثابت في الكتاب أو السنة الصحيحة أو نظام الخليقة المعبر عنه بسنن الله
تعالى أو لغير ذلك من الأسباب. ومن فهم القرآن المجيد وعرف السنة الصحيحة لا
يطمئن قلبه لشيء من تلك الروايات الغريبة في المناقب وإن وجد لها متابعات من
الضعاف.
وهاهنا مزلة قدم زل فيها كثيرون فصححوا أو حسنوا أحاديث من المناكير
والضعاف الشديدة الضعف بحجة أن لها شواهد من جنسها وما كل شاهد يصلح مقويًا
وإن فاقد الشيء لا يعطيه.
ثم إن باب المناقب الذي ألحقوه بفضائل الأعمال في جواز رواية الحديث
الضعيف فيه قد يدخل فيه الإخبار عن عالم الغيب وهو من العقائد التي يطلب فيها
اليقين فيروون فيه حديثًا منكرًا أو ضعيفًا واهيًا ويسكتون عليه لأنه من باب المناقب
فيشيع ويشتهر فيتخذ عقيدة تحكم العامة بكفر منكره وهو أقرب من مثبته إلى حقيقة
الإيمان، وقد يكون هذا النوع من الروايات شبهة على الدين وسببًا في الطعن فيه أو
صادًّا لكثير من الناس عن قبوله. إنك إذا أردت أن تدعو أهل أوربا أو اليابان إلى
الإسلام وتشترط عليهم التصديق بأن أجساد الأنبياء لا تبلى، وأنهم لم يولدوا كما يولد
البشر ونحو ذلك فإن مثل هذا الشرط كاف لرفضهم الدعوة، وقد علمت أنه لم يرد في
هذا حديث صحيح فضلًا عن متواتر فضلًا عن آية قرآنية، وهو مخالف لسنة الله في
الخلق الثابتة بالمشاهدة وبقوله تعالى: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ
تَحْوِيلًا (فاطر: 43) فإذا اطمأن قلبك لحديث ضعيف أو حسن في مثل ذلك
وصدقت به أيها المسلم فلا ينبغي لك أن تجعله عقيدة دينية وتجعل عدم النص من
الصحابة وأئمة السلف على نفيه إجماعًا؛ إذ يجوز أن يكون لم يخطر لهم على بال.
واعلم أنه ليس من تعظيم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تنزيههم عن الصفات
البشرية فإن هذه نزعة كفر سبق إليها المشركون الذين احتجوا عليهم بمثل ما أخبر