الصفحة 61 من 374

وقد ذكر ابن عبد البر لنهي عمر وهو أمير المؤمنين عن التحديث تأويلات

(منها) أنه(إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشى عليهم الاشتغال بغيره

عنه إذ هو الأصل لكل علم)وأقول: إن ما رواه في ذلك عن قرظة ينافي ذلك،

فقد نهاهم عن تحديث قوم يحفظون القرآن، يفتأون يتلونه لأصواتهم به دوي كدوي

النحل. ولو أراد نهيًا مقيدًا بهذا القيد لقال: لا تحدثوا إلا من حفظ القرآن. وقد

عزا هذا القول لأبي عبيد قال:(وقال غيره: إنما نهى عمر عن الحديث عما لا يفيد

حكمًا ولا سنة)وهذا أضعف مما قبله وقد عزاه إلى مجهول، وماذا يعني قائله

بالحديث الذي لا يفيد حكما ولا سنة؟ أهي الأحاديث عن شمائله صلى الله عليه

وسلم وأخلاقه؟ كيف وهي أنفع من أحاديث الأحكام الفقهية؟

ثم ذكر أن بعضهم رد حديث قرظة هذا؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه

وذكر من هذه الآثار أمر عمر أن يبلغ عنه أن الرجم مما أنزله الله على نبيه في

الكتاب. أقول: وهذا الأثر لا يصلح دليلًا؛ لأنه إنما نهى عن اشتغال الناس

بالحديث عن الكتاب الذي هو أصل الدين. فإذا ادعي مدع أن عمر ما كان يريد أن

يجعل الحديث أصلًا من أصول الدين، يمكنه أن يقول: إن حكم الرجم في رأيه من

أحكام القرآن لا من أحكام الحديث غايته أن آيته نسخت تلاوتها، فالأمر بتبليغه أمر

بتبليغ حكم قرآني، فلا يعارض النهي عن التحديث.

ثم ذكر وجهًا آخر لرد حديث قرظة، وهو معارضة الكتاب والسنن له كقوله

تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21) وقوله:

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: 7) وقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ

مُّسْتَقِيمٍ (الشورى: 52) قال: ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به إلا بالخبر عنه.

وقد يجاب عن هذا بأن صراطه المستقيم هو القرآن والسياق يعين ذلك، وأن

من يعمل بالقرآن يكون متأسيًا به لحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره(كان خلقه

القرآن)وأن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة، هي ما كان عليه هو وخاصة

أصحابه عملًا وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية. وأما الأمر بأخذهم ما

يعطيهم الرسول فهو في قسمة الفيء ونحوه ما في معناه، والحديث الذي نحن

بصدده لا يعارض ذلك.

وذكر من أمثلة معارضته السنن حديث (نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت