الصفحة 62 من 374

ثم أداها إلى من لم يسمعها) بناء على جعلهم الأحاديث القولية من السنن، وهو

اصطلاح للعلماء توسعوا فيه بمعنى السنة، فجعلوها أعم مما كان يريده الصحابة

من هذا اللفظ (السنة) وهي الطريقة المتبعة التي جرى عليها العمل. والحديث

يصلح معارضًا للنهي عن التحديث وبينهما يطلب الترجيح. ويقول ابن عبد البر: إن

عمر كان يريد النهي عن الإكثار لا عن أصل التحديث، وهو كما ترى، وإن الأخذ

بالمرفوع مقدم. أقول: وههنا شيء آخر وهو إقرار الصحابة لعمر على نهيه، وقد

يعارضه أنهم حدثوا فلم ينتهوا، وقد مر بك أن أبا هريرة كان يحدث بعده، فكأن

اجتهادهم اختلف في المسألة.

ومما ذكره ابن عبد البر عن عمر في معارضة حديث النهي قوله:(تعلموا

الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن)فسوّى بينهما، وعن مورق العجلي أنه قال:

كتب عمر: تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن، والجواب عن هذا

يعلم مما قبله؛ وهو أن تعلم السنة غير التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،

فإن السنة سيرته صلى الله عليه وسلم، وتعرف من الصحابة بالعمل وبالأخبار

كنحو (من السنة كذا) كما كانوا يقولون، والتحديث عنه نقل كلامه كما هو

المتبادر، وإن اصطلح المحدثون بعد ذلك على تسمية كل كلام فيه ذكر النبي صلى

الله عليه وسلم حديثًا وسنة. ومنه تسمية ابن عبد البر نفسه لرواية قرظة التي هي

موضوع بحثنا حديثًا، وفسر اللحن في أثر عمر عن مورق فقال: قالوا: اللحن

معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به.

ثم قال: وعمر أيضًا هو القائل: (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)

وهو القائل:(سيأتي قوم يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب

السنن أعلم بكتاب الله عز وجل)وأقول: إن هديه صلى الله عليه وسلم ليس

موضع اشتباه، وأما سنته فلو أريد بها هنا أقواله لكان فيها من الشبهات ما في

القرآن أو أكثر؛ لأن القرآن أعلى بيانًا وقد نقل بالحرف، والحديث كثيرًا ما نقل

بالمعنى. فالسنة لا يراد بها إلا السيرة والطريقة المتبعة عنه صلى الله عليه وسلم

بالعمل، والعمل لا تعترض فيه الشبهات. فلذلك أمر بالاحتجاج عليهم بالسنن. ومثل

هذا أمر علي لابن عباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج، قال: (لا تخاصمهم

بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة فإنهم لن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت