الصفحة 63 من 374

يجدوا عنها محيصًا). اهـ من نهج البلاغة.

ومن العجائب أن يغبى بعض المحدثين أحيانًا عن الفرق بين السنة والحديث

في عرف الصحابة الموافق لأصل اللغة، فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي

أحدثوه بعد ذلك، وليس لنا أن نلوم بعد هذا ذلك العالم الفرنسي المستشرق الذي قال

لي مرة: إن الصحابة كانوا يقدمون الأحاديث على القرآن وذكر لي قول علي لابن

عباس، فقلت له: إنه لا يعني بالسنة الأحاديث فإنها ذات وجوه تحتمل تأويل

المجادلين كالقرآن، وإنما هي الطريقة المتبعة بالعمل. مثال ذلك احتجاج علي على

معاوية وأصحابه بحديث عمار (تقتله الفئة الباغية) فقد أوله عمرو بن العاص

فقال: إنما قتله من أخرجه. يعني عليًّا؛ ولكن لا سبيل إلى تأويل كيفية الصلاة

وعددها وكيفية الحج لأنها ثابتة بالسنة. ولا يخفى أن السنة بهذا المعنى تشمل ما

هو مفروض وما هو مندوب وما هو مستحب كما مر جوابه.

هذا، وإن المبحث كبير ولا سبيل إلى تحريره واستيفاء فروعه في هذا الجزء،

فنكتفي بما تقدّم في الوفاء بما وعدنا به في الجزء الماضي.

وليعلم القارئ أن هذا البحث الأصولي بمعزل عن مسألة اهتداء المسلم بما

يصح عنده من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، فتلك الأقوال هي ينابيع الحكم

ومصابيح الظلم، وجوامع الكلم، ومفخر للأمة على جميع الأمم، بل إن في

الأحاديث التي لم تصح أسانيدها من البدائع، والحكم الروائع، والكلم الجوامع، ما

تتقاصر عن مثله أعناق العلماء، وتكبو في غاياته فرسان الحكماء، ولا تبلغ بعض

مداه قرائح البلغاء، ولا غَرْوَ فإن من الأحاديث ما صحت متونه ولم تصح أسانيده

كما إن منها ما أشكلت متونه وإن سلم من الطعن رواته، وأنى لغيرنا ببعض ما

عندنا من الأسانيد لأقوال حكمائهم، أو لكتب أنبيائهم، فنحن يسهل علينا من

التمحيص والتحقيق ما لا يسهل على غيرنا، فليتدبر المتدبرون، وليعمل العاملون.

(1) كذا في كنز العمال ولعل الأصل: إن أصيب أن لا أجده إلخ.

(2) قرظة بالتحريك بوزن (خشبة) .

(3) صرار بالكسر موضع قرب المدينة.

(( مجلة المنار ـ المجلد [? 10] الجزء [? 11] صـ ? 849 ... ? ذو القعدة 1325 ـ يناير 1908 ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت