الصفحة 81 من 374

كتاب جامع العلم وفضله في (باب جامع في الحال التي تنال بها العلم) ما مثاله:

وروينا عن علي رحمه الله أنه قال في كلام له: العلم ضالة المؤمن، فخذوه ولو

من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه. وعنه أيضًا

أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي الشرط اهـ، فأئمة الحديث

رأوا أن السنة من الحكمة بل هي الحكمة - في تفسير الإمام الشافعي كما أوضح

ذلك في رسالته الشهيرة [5] في(باب بيان ما فرض الله من اتباع سنة نبيه صلى الله

عليه وسلم)فلذا عمدوا إلى تلقيها من كل ذي علم، واشترطوا للعناية بها أن

تكون من مسلم عدل صدوق، ثبْت في روايته، ولم يبالوا بما غُمز أو نُبز أو رُمي

به، علمًا بأن المسائل النظرية، أو التي دخل على أصولها تأويل بنظر المأول هي

من المجتَهد فيها، والمجتهد مأجور أصاب أو أخطأ، فعلام يُترك الأخذ عن

المأجور، وقد يكون رأيه هو الحق، ومذهبه هو الأدق -ما دام الأمر فيه احتمال

ولا قاطع، أو اعترض النص ما رجعه ظاهرًا- كما يعلمه من أعار نظر الإنصاف

مآخذ الأئمة ومداركهم- وقد أوضح جملًا من ذلك الإمام تقي الدين ابن تيمية في

كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام [6] ) فكان أئمة الحديث بهذا -أعني التلقي

عن كل عالم ثبت- مثال الإنصاف وكبر العقل، وقدوة كل من يلتمس الحكمة،

ويتطلب العلم، فجزاهم الله أحسن الجزاء.

عقوق الخلف بهجر مذهب السلف

سبق أني قلت في هذا المعنى كلمة في كتابي (نقد النصائح الكافية [7] ) بعد أن

سبرت رجال من خرَّج لهم الشيخان أو أحدهما في صحيحيهما - ممن نبز

بالابتداع - وهي قولي: فترى من هذا أن التنابز بالألقاب والتباغض لأجلها الذي

أحدثه المتأخرون بين الأمة عقوا به أئمتهم وسلفهم- أمثال البخاري ومسلم والإمام

أحمد بن حنبل، ومن ماثلهم من الرواة الأبرار، وقطعوا به رحم الأخوة الإيمانية

الذي عقده تعالى في كتابه العزيز، وجمع تحت لوائه كل من آمن بالله ورسوله،

ولم يفرق بين أحد من رسله، فإذن كل من ذهب إلى رأي محتجًّا عليه، ومبرهنًا

بما غلب على ظنه، بعد بذل قصارى جهده وصلاح نيته في توخي الحق فلا

ملام عليه ولا تثريب؛ لأنه مأجور على أي حال، ولمن قام عنده دليل على خلافه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت