الصفحة 82 من 374

واتضحت له المحجة في غيره، أن يجادله بالتي هي أحسن ويهديه إلى سبيل

الرشاد، مع حفظ الأخوة، والتضافر على المودة والفتوة، هذا ما قلته ثمة مما يبين

أنه لو كانت الفِرق التي رُميت بالابتداع تهجر لمذاهبها وتُعادى لأجلها لَمَا أخرج

البخاري ومسلم وأمثالهما لأمثالهم. نعم إن هؤلاء المبدعين وأمثالهم لم يكونوا

معصومين من الخطأ حتى يعدوهم الانتقاد، ولكن لا يستطيع أحد أن يقول: إنهم

تعمدوا الانحراف عن الحق، ومكافحة الصواب عن سوء نية، وفساد طوية،

وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض آرائهم: إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا، وبهذا كان

ينتقد على كثير من الأعلام سلفًا وخلفًا لأن الخطأ من شأن غير المعصوم، وقد قالوا:

المجتهد يخطئ ويصيب، فلا غضاضة ولا عار على المجتهد إن أخطأ في قول

أو رأي، وإنما الملام على مَن ينحرف عن الجادة عامدًا متعمدًا، ولا يتصور ذلك

في مجتهد ظهر فضله وزخر علمه.

رد القول بمعاداة المبدّعين

قدمنا أن رواية الشيخين وغيرهما عن المبدعين تنادي بواجب التآلف

والتعارف، ونبذ التناكر والتخالف، وطرح الشنآن والمحادّة، والمعاداة والمضارة؛

لأن ذلك إنما يكون في المحاربين المحادّين، لا في طوائف تجمعها كلمة الدين،

ومن الأسف أن يغفل عن هذا الحق من غفل، ويدهش لسماعه المتعصبون

والجامدون، ويحق لهم أن يذعروا لهذا الحق الذي فجأهم لأنه مات منذ قضى عصر

الرواية والرواة، وانقضى زمن المحدثين والحفاظ، ودال الأمر بعد الأخبار النبوية

للآراء والأقوال، وصار الحق -بعد أن كانت الرجال تعرف به- يعرف بالرجال،

وأصبح مشرب أمثال البخاري وغيره نسيًا منسيًّا، ونُشر لواء التعادي والتباغض

في الأمة وكان مطويًّا، وسبّب على الأمة من التفرق والانقسام، ما أورثها الضعف

والانفصام، فبعد أن كان التسامح في التلقي عن الحكماء والفضلاء من أي طبقة

ركنًا ركينًا في حضارة الإسلام، خلفه التخاذل والتدابر والتعصب والملام، ولم

يكف ذاك حتى ادُّعي أنه من الدين، مع أن الدين يأمر بالتآخي ونبذ التفرق في

محكم كتابه المبين.

(ومن العجب) أن يقول قائل: لا يلزم من الرواية عنهم عدم معاداتهم، أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت