الصفحة 83 من 374

يجوز أن نروي عن راوٍ، مع التدين بمعاداتنا له، وبغضنا إياه!

(فنجيب عنه) بأنَّا لا نعرف من قال ذلك من السلف، ولا من ذهب إليه من

الأئمة، والرواية يراد بها هنا تلقي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وهديه

وتشريعه وأقضيته، وفتاويه وشمائله، لتتخذ دينًا يُدان الله به، وشريعة يُقضى بها

في التنازع، ومرجعًا تُحل به المشكلات، فهل يُتلقى ذلك عمن يجب علينا معاداته

في الدين؟ وكيف يتصور أن نأخذ الدين عمن نرى أنه عدو للدين؟ سبحان الله

ما هذا التناقض، إن من يأمرك الدين بأن تعاديه لا يبيح لك أن تأخذ دينك وشريعتك

وعقيدتك عنه، ومن المسلَّم بأن هذا الراوي أدَّاه اجتهاده إلى ما رأى، ومن أدَّاه

اجتهاده إلى ما رأى كيف يُعادى، وقد بذل قصارى جهده، وليس قصده إلا الحق،

والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف يُعادى من أثبت له الشارع الأجر ولو كان

مخطئًا؟ وإنما يعادى الآثم لا المأجور.

رد القول بتفسيق المبدّعين

أغرب من ذلك قول البعض بتفسيق من يبدّعه، وإن بلغ ذروة الاجتهاد،

وأصبح معذورًا لا ملام عليه عند الله والملائكة والنبيين، لا بل قد تفضل عليه

الشارع بالأجر. ومتى عهد تفسيق مجتهد إذا أخطأ في المسائل الاجتهادية؟ وهل

يمكن لمثل البخاري -وهو ما هو في نقد الرجال- أن يضم إلى صحيحه من

مجتهدي الفرق من كان فاسقًا ليصبح جانب من كتابه مرويًّا للفسقة وقد جمعه ليجعله

حجة بينه وبين ربه؟ وهل يُعقل أن يجعل رواية الفاسق حجة عند المولى؟ هذا ما

يلزم من تفسيق من يفسق من الرواة فليحكم المتعصب النظر، وليتدبر في المآل،

قبل أن يأخذ في المقال.

نعم: ذهبت طائفة إلى تفسيق من خالفهم في شيء من مسائل الاعتقاد - كما

نقله الإمام ابن حزم في كتابه الفصل [8] إلا أنه قول مردود؛ ولذا قال الإمام ابن

حزم رضي الله عنه: وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في

اعتقاد أو فُتيا، وإن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه

مأجور على كل حال: إن أصاب الحق فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد. قال:

وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت