فهرس الكتاب
الفسق) ما نصه: وأما العرف المتأخر: فالفسق يختص بالكبيرة من المعاصي مما
ليس بكفر، والفاسق يختص بمرتكبها اهـ.
فأنت ترى من هذا كله أن الفسق مدلوله الكبائر والمعاصي العظائم؛ لأنه دائر
بين الكفر وما يقرب منه، وإذا كان هذا مدلوله الشرعي، ومعناه العرفي، فكيف
يجوز أن يوصف به عالم ثبت ثقة من ذوي الألباب وأولي الاجتهاد لمجرد أنه أداه
اجتهاده إلى رأي يخالف غيره مع أنه لم يقصد إلا الحق، ولم يتوخَّ إلا ما رآه إلا
وفق، إذ لم يأل جهدًا في اهتمامه بما يراه الصواب، وإن كان في نظر غيره على
خلاف ذلك، إذ هذا من لوازم المسائل النظرية، ومتى عُهد أن يُفسق المخالف فيها
أو يُضلل، لا جرم أنه بدعة قبيحة، وجناية في الدين كبيرة.
وقد قال كثير من أئمة التفسير في قوله تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ}
(الحجرات: 11) هو قول الرجل للرجل: يا فاسق رواه ابن جرير عن مجاهد
وعكرمة. وقال قتادة: يقول تعالى: لا تقل لأخيك المسلم: ذاك فاسق، ذاك منافق
نهى الله المسلم عن ذلك وقدم فيه. وقال ابن زيد: هو تسميته بالأعمال السيئة بعد
الإسلام، زان فاسق (ثم قال ابن جرير) والتنابز بالألقاب هو دعاء المرء
صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض
الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة
يكرهها (ثم قال) : وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(الحجرات: 11) أي ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه من
الألقاب، أو لمزه إياه أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها
عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه. ولما لم يكن عند من يرمي أخاه بالفسق إلا الظن
جاء النهي عن سوء الظن إثر تلك الآية في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
(الحجرات: 12) ولما كان الرمي بالفسق مدعاة لتفرق القلوب، وإثارة الشحناء
على عكس حكمة الله تعالى في خلقه الخلق للتعارف والتآلف، جاء ذلك على إثر ما
تقدم بقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: 13)