فهرس الكتاب
فليتدبر المتقي هذه الآيات الكريمة وليقف عند أوامرها وزواجرها، وليعتبر
وليستعبر. قال السيد الطباطبائي في المفاتيح [9] : الفسق أن يتحقق بفعل المعصية
المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه، بل مع اعتقاد أنه طاعة،
بل من أمهات الطاعات فلا. والأمر في المخالف للحق كذلك؛ لأنه لا يعتقد
المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات سواء كان اعتقاده صادرًا عن نظر
أو تقليد، ومع ذلك لا يتحقق الفسق، وإنما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه
به، وهذا لا يكاد يتفق، وإن توهمه من لا علم له اهـ.
فترى من العجب بعد ما ذكرناه أن يوسَم بالفسق من لا يحل وَسمه به؛ لأن
معناه لا ينطبق عليه بوجه ما، على أنه ورد تسمية رواة الحديث خلفاء فيما رواه
الطبراني والخطيب وابن النجار وغيرهم عن علي مرفوعًا(اللهم ارحم خلفائي
الذين يأتون من بعدي، يروون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس).
إذا علمت هذا فماذا يقال في هؤلاء المفسقين؟ أجهلوا المعنى العرفي للفسق،
أم تجاهلوا؟ أم اجتهدوا فأداهم اجتهادهم أم قلدوا؟ لا غرو أنهم جهلوا وقلدوا، ويا
ليتهم قلدوا إمامًا متبوعًا، بل قلدوا أواخر المقلدة الجامدة المتعصبة. ولو نظروا في
تراجم الرجال، وتدبروا سيرة كثير من أولئك المبدعين الأبطال، لعلموا أن رميهم
بالفسق يكاد أن يهتز له العرش. خذ لك مثلًا من شيوخ المعتزلة عمرو بن عبيد،
وانظر في ترجمته إلى زهده وتقواه. قال الذهبي في الميزان: وقد كان المنصور
الخليفة العباسي الشهير يخضع لزهد عمرو وعبادته يقول شعرًا:
كلكم يطلب صيد ... غير عمرو بن عبيد
وذكر ابن قتيبة في (المعارف) أن المنصور رثى عمرو بن عبيد فقال شعرًا:
صلى الإله عليك من متوسد ... قبرًا مررت به على مران
قبرًا تضمَّن مؤمنًا متحنفًا ... صدق الإلهَ ودان بالقرآن
لو أن هذا الدهر أبقى صالحًا ... أبقى لنا حقًّا أبا عثمان
هذا هو التوثيق - أعني توثيق الملوك - لأن كلام الملوك ملوك الكلام. وما
غمز به فكله -إن أنصفت- من عصبية التمذهب، والجمود في التعصب.
نحن لا نقول هذا تحزبًا للمعتزلة أو لغيرهم معاذ الله فإنا في الرأي مستقلون،
ولسنا بمقلدين ولا متحزبين، ولكن هو الحق والإنصاف، وما قولك في قوم يرون