الصفحة 87 من 374

مرتكب الكبيرة كافرًا أو مخلدًا في النار؟

أليس في هذا نهاية التعظيم للدين، وغاية الابتعاد عن المعاصي، والإشعار

بامتلاء القلب من خشية الله بما يزع عن الكذب والافتراء؟ بلى! وألف بلى! فأنى

يستجيز عاقل بعد ذلك تفسيقهم وهم على ما رأيت من التمسك بدين الله، والتصلب

في المحافظة على حدوده؟ فتدبر وأنصف، على أن خبر الفاسق مرغوب عنه في

نظر العقل، ساقط الاحتجاج به في أصول الشرع، ولذا أمرنا بأن نتبينه ولا نلوي

عليه بادئ بدء، فكيف يحكم صاحبه في السنة والأحكام؟

قال الإمام الحجة مسلم في مقدمة صحيحه في باب وجوب الرواية عن

الثقات، وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه

وسلم ما مثاله: اعلم وفقك الله أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح

الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين - أن لا يروي منها إلا ما

عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يبقي منها ما كان عن أهل التهم

والمعاندين من أهل البدع [10] (قال) : والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم

دون ما خالفه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن

تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات: 6) وقال:

{َأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (الطلاق: 2) قال: فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن

خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر إن فارق

معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيها - إذ كان خبر

الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم. ثم روي

عن سلام قال بلغ أيوب أني آتي عمرًا [11] ، فأقبل عليَّ يومًا فقال: أرأيت رجلًا لا

تأمنه على دينه، فكيف تأمنه على الحديث. فدل ذلك على أن من ائتمنه الشيخان

على الحديث، فقد ائتمنوه على الدين، ومن ائتمن على الدين فليس فاسقًا ولا

مبتدعًا.

(ثم قال الإمام مسلم) وإنما ألزموا -يعني العلماء- أنفسهم الكشف عن

معايب رواة الحديث. وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا - لما فيه من عظيم

الخطر إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر، أو نهي، أو

ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت