فهرس الكتاب
على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثمًا
بفعله ذلك، غاشًّا لعوامّ المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن
يستعملها، أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن
الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من
ليس بثقة ولا مقنع اهـ.
فهل بعد هذا يجوز غمز بعض من روى لهم الشيخان من أولئك الأعلام
المبدّعين؟ لا جرم أنه لأمر ما عُني البخاري ومسلم بالتخريج عنهم، وأخذ السنة
منهم، وتبليغها للأمة، وجعلها حجة بينه وبين ربه، وما ذاك إلا إجلالًا لفضلهم،
وإنصافًا لقدرهم.
انظر كيف يتحمل مثل البخاري عن أعلام الشيعة، والمعتزلة، والمرجئة،
والخوارج، ويجعل حديثهم حجة، ومرويهم سنة، ويفخر بذكر أسمائهم في أسانيده
ويخلد لهم أجمل الذكر، في أشرف مصنف. انظر هذا وقابل بينه وبين جمود
المتأخرين، ورميهم علماء الفرق بالفسق والابتداع والضلال، وهجرهم لعلومهم،
وصد الناس عنهم، حتى فات الناس - وا أسفا - علم جمّ، وخير كثير، ولئن دون
ما دون من معارفهم، فما بقي من فوائدهم في خزائن صدورهم مما كان يستثار
بالأخذ عنهم، وينال بمجالسهم - أوسع وأوفر، أفليس في جمود هؤلاء على ما ذكر
عقوق لسلفهم الصالح؟ بلى! وما يضرون إلا أنفسهم لو كانوا يشعرون.
بما ذكرناه استبان لك الخطأ في نبز رواة الصحيح بالفسق والابتداع، وأنه
تعصب يجب التنبيه له والحذر منه. نحن إنما نصدع بهذا - تفقهًا ممن شرب
البخاري ومذهبه، وموافقة له في رأيه الذي لا شك في أنه الصواب الذي تدعو إليه
الأخوة الإيمانية، والإنصاف مع كل راوٍ مجتهد من هذه الأمة لا يروم إلا الحق،
ولا يسعى إلا إليه، ولا يتحمل الأذى والاضطهاد إلا لأجله - إذ لم يصب من رأيه
وما دعا إليه لا دنيا، ولا جاهًا، ولا مُلكًا، فأي دليل أدل على حسن نيته من هذا؟
وبالجملة فتسمية المتفقهة بعض الرواة فسقة جهل بما قاله الأصوليون من أن الفاسق
مردود الشهادة والرواية [12] ومن قبل الشيخان وغيرهما خبره وحكموه في السنة،
وأخذوا عنه، فهل يكون فاسقًا؟ على أن إجماعهم على تلقي الصحيحين بالقبول
موجب لتعديل رواتهما جميعًا؛ لأن التلقي بالقبول فرع صحة الحديث، وهو إنما