فهرس الكتاب
يكون من صحة سنده، وهو من عدالة رجاله وتوثيقهم. ولذا قالوا فيمن خرَّج له
الشيخان: جاز القنطرة. بمعنى أنه لا يلتفت إلى ما غمز فيه. وبالجملة فمشرب
المحدثين في التسامح ونبذ التعصب هو الذي تقتضيه الأصول، وتقبله العقول، وما
أحدث من النبز بالفسوق للبعض فلا سند له - لأن دعوى فسق الإنسان إنما يكون
بإتيانه ما فسقه الشارع به، ونص عليه كتاب أو سنة نصًّا قاطعًا لا يحتمل التأويل
وأما مسائل الاجتهاد فلا يصح ذلك فيها بوجه من الوجوه.
والحاصل أن لا تفسيق ولا تضليل، مع الاجتهاد والتأويل، وإن كان ليس
كل اجتهاد صوابًا، ولا كل تأويل مقبولًا، ولكن كلامنا في ذات المجتهد والمأول.
فمن لم يألُ جهدًا فلا ملام عليه ولا كلام، لا بل يُتحمل منه الدين، ويُتلقى
عنه الهدي النبوي، ويحكم في السنة، على هذا جرى البخاري ومسلم وغيرهما من
أقطاب الحديث والأثر، وهو الصواب، بلا ارتياب. وقد نقل الغزالي في
المستصفي [13] عن الشافعي أنه قال: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من
الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم في المذهب (ثم قال) ويدل على
مذهب الشافعي قبول الصحابة قول الخوارج في الأخبار والشهادة، وكانوا فسقة
متأولين، وعلى قبول ذلك درج التابعون - لأنهم متورعون عن الكذب، جاهلون
بالفسق اهـ.
فترى من هذا أن الصحابة قبلوا خبرهم، وما ضرهم تسمية الفقهاء لهم
بالفسقة، لأنه فسق بمعنى مخالفة غيرهم، وهذا الإطلاق اصطلاحي للفقهاء،
وربما رجع الخلاف - في تسمية أولئك فساقًا - لفظيًا، وإلا فيستحيل إرادة الفسق
الحقيقي المانع للشهادة والرواية - كما قدمنا - ومعلوم أنه لا يكون مذهب حجة على
مذهب، ولا عرف برهانًا على عرف، وإنما الحجة والبرهان قواطع الكتاب
والسنة. ولما كان البحث المذكور في غاية من الدقة، ترى الكلام في مطولات
الأصول مضطربًا متشعب الأقوال، حتى اختلفوا لذلك في ماهية العدالة، ويقرب
لمذهب المحدثين فيها قول بعض أهل العراق: العدالة عبارة عن إظهار الإسلام فقط -
مع سلامته عن فسق ظاهره اهـ.
(( يتبع بمقال تالٍ ) )
(1) بتشديد الدال المفتوحة أي المنسوبين للبدعة، وإنما آثرنا هذا على تسمية الأكثرين لهم