فهرس الكتاب
ثانيا: التورع في الفتوى، والتأني في إطلاقها، فإني أرى طلاب علم يستعجلون في الفتوى، في زماننا هذا، مع أن الأسلاف - رضي الله عنهم - كانوا يتدافعون الفتوى، ويشفقون من الإقدام عليها، فما بال طلاب العلم اليوم يتناهبونها، ولا يأبهون بخطورتها؟!
جاء رجل من العراق إلى مالك بن أنس - رحمه الله - فسأله عن أربعين مسألة، فأفتاه في ثلاث مسائل فقط - في إحدى الروايات - واعتذر عن سبع وثلاثين مسألة، فقال له السائل: نضرب إليك أكباد الإبل، ولا تعرف إلا ثلاث مسائل!! فقال له الإمام: اركب راحلتك، وقل لمن أرسلك: إنني وجدت مالك بن أنس لا يعلم في العلم شيئًا.
وبهذا التواضع والتورع في الفتوى نال الإمام مالك المنزلة الرفيعة، والمكان المرموق بين العلماء.
ثالثا: أُحذر من أنصاف المتعلمين الذين يحسبون أنهم يعلمون، وهم لا يعلمون، بل هم خراب البلاد والعباد.
وأدعو طلاب العلم دعوة صادقة إلى التفقه في الدين، من منابعه الأصيلة الصافية؛ ليكونوا - بإذن الله - علماء عاملين مخلصين، وليكونوا على الثغور، فيحموا الأمة من الضياع، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسألوهم، فأفتوهم بغير علم، فضلوا وأضلوا" [1] .
(1) - رواه البخاري في كتاب العلم: 34، ومسلم في كتاب العلم جـ4 برقم 13.