وكان الراسخ في السخاء من أهل البادية لا ينزل إلا بالأماكن المرتفعة, ليرى الناس منزله على بعد في النهار, ويبصرون ناره كذلك في ظلام الليل, قال أبو زياد الأعجم:
له نار تشب على يفاع ... إذا اليزان ألبست القناعا
وقال ابن هرمة:
أغشى الطريق بقبتي ورواقها ... وأحل في نشر الربا فأقيم
يتفاضل الناس في السخاء, وأرفع درجاته أن يكون الرجل في حاجة ملحة إلى ما عنده, ويدع حاجته ويصرفه في وجه الخير, وذلك ما يسمى بالإيثار, قال تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} {الحشر: 9} .
والكتب عامرة بقصص من بلغوا هذه الرتبة في السخاء, قال أحد شعراء الحماسة:
طويل نجاد السيف, يصبح بطنه ... خميصًا وجاديه على الزاد حامد
وأبلغ ما يدلك على أصالة كرم الرجل أن يرق عطفه, حتى يبسط يد إحسانه إلى ذي الحاجة وإن كان من أعدائه, كما قال أحد شعراء الحماسة في سيرته مع ابن عشيرته:
وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محني الضلوع على بغضي
أثر السخاء في سيادة الأمة:
تبلغ الأمة الأمد الأسمى من السيادة: بحفظ دينها, وسعة معارفها,