الصفحة 2 من 57

فهم يرون أنَّ المجاهدين يكفِّرُون حكَّام جزيرة العرب، وغيرهم من الحاكمين بغير ما أنزل الله المتولِّين للكُفَّار، فلا ينزلون إلى محلِّ النِّزاع، ولا يرضون بالحديث عنه، فيردّون عليهم بذكر نصوص طاعة وليِّ الأمر، مع علمهم اليقينيِّ أنَّ المجاهدين لا ينازعون في وجوب طاعة وليِّ الأمر المسلم، ولو نازعوا في هذا الأصل المعلوم من النصوص بالضرورة لكفروا، وإنَّما نزاعهم في تحقيق المناط، وفي إسلام هذا الحاكم.

وكذا ذكرهم لنصوص حرمة المعاهدين، وعصمة دمائهم، مع علمهم ومعرفتهم أنَّ المجاهدين لا يرون إباحة دم المعاهد، ولو قالوا بهذا لكفروا بعد قيام الحجَّة لجحودهم النُّصوص القطعيَّة، ولكنَّ المجاهدين ينازعونهم في صحَّة هذه العهود، وعدم انتقاضها.

وفي كلِّ هذا نراهم يتنكّبون الحديث عن مسألة النِّزاع، وموطن الاختلاف، فإذا تحدّثوا عن طاعة ولي الأمر وقيّدوها بالمسلم، قالوا: ولا يكفر بالكبائر من زنا وربا وشرب خمر، ولا يتحدّثون عن الحكم بغير ما أنزل الله، وتولِّي الكافرين ونحوها مع علمهم بوجودها، وبأنَّ المجاهدين إنَّما يكفِّرون بها لا بالكبائر، وإذا تحدّثوا عن حرمة المعاهدين لم يعرضوا لما فعله من سمّوهم معاهدين، ويبيّنوا حكمه، وهل ينتقض به العهد أم لا؟

والله أمر أمرًا عامًّا بالرَّدِّ إليه وإلى رسوله في محلِّ النِّزاع، وقولُهُ عزّ وجلَّ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) ، نكرةٌ في سياق الشَّرط فهي عامَّةٌ في كلِّ ما يُتنازع فيه، فإن تنوزع في أصل الحكم رُدَّ إلى الله والرسول، وإن تنوزع في تنزيله وتحقيق مناطه رُدَّ إلى الله والرسول، وقوله تعالى: "فردُّوه"، الضمير عائد فيه على الشيء المتنازع فيه، فلا يُجزئ في موطن النِّزاع إلاَّ أن يُردَّ المُتنازع فيه نفسه إلى الله ورسوله، وقوله سبحانه: فلا وربِّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم: عامٌّ في كلِّ أمرٍ يشجر بين المتنازعين، فإن كان ما شجر بينهم الخلاف في طاعة ولي الأمر حُكِّم فيها الشرع وعرضت عليه، وإن كان ما شجر الخلاف في إسلام وليِّ الأمر، رُدَّت المسألة إلى الشَّرع، وإن كان الخلاف في حرمة دماء المعاهدين، أو في صحَّة عهود الطائفة الفلانيَّة من الكفَّار، أو في كونها انتقضت أم لم تنتقض فكذلك في كلِّ ذلك.

وإذا نظرت في كلام المخالفين المعترضين لم تكد تجد من ردَّ على المجاهدين بعلمٍ شرعيٍّ ودليل، أو ناظرهم في مسائل النِّزاع، في تفجيرات الرياض، وفي عامَّة ما خالفهم الناس فيه، إلاَّ أنِّي وجدت موقع الإسلام اليوم قد تصدَّى لذلك وانبرى له، وأجاب عن الأسئلة فيه مجموعةٌ من طلبة العلم من أصحاب التخصُّصات الأكاديميَّة المتنوّعة، هم: ثلاثةٌ من الدكاترة، وأحد القضاة:

(1) أ. د. سعود بن عبد الله الفنيسان عميد كلية الشريعة سابقًا

(2) د. عبد الله وكيل الشيخ أستاذ الحديث بجامعة الإمام

(3) أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل أستاذ العقيدة بجامعة الإمام

(4) الشيخ هاني بن عبد الله الجبير القاضي بالمحكمة الكبرى بجدة

ثم تولَّى المكتب العلمي بموقع الإسلام اليوم جمع الإجابات والتأليف بينها، ومن ثم عرضها في (خلاصة جامعة) تشتمل على أوجه الجواب كلها مع مراعاة الاختصار.

وتأمَّلتُ أجوبتهم، فحمدت لهم أنَّهم ردُّوا مسألة النِّزاع إلى الشَّرع، ووضعوا أيديهم في مسألة الخلاف، وهذا ما لم أقف على مخالفٍ للمجاهدينَ غيرِهِم فعله أو سبقَ إليه، ورأيتُ أنَّهم أخطؤوا في مواضع من ردِّهم، وأنَّ الصَّواب مع من ردُّوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت