فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 96

فالحواجز التي يفتعلها المدرس بينه وبين تلامذته، فتصبح علاقته معهم علاقة رسمية جافة، فلا يمكن أن يجد تلميذه ابتسامة، أو يسمع كلمة حانية، ومنطق الاستبداد بالرأي، ورفض الحوار والمراجعة والتنازل عن الآراء، والقسوة والغلظة، والتي يعلن البعض فيها مقاطعته لكل ما يمت للرحمة والرفق بصلة، فيحول الفصل إلى ثكنة عسكرية، أما التجاوز عن الخطأ، والعفو عن الزلة فهي من مظاهر الضعف والخور، ومن مسببات انهيار الشخصية.

كل هذه المظاهر وغيرها، إنما هي نتائج مباشرة لهذه النظرة المفرطة لقوة الشخصية. إن هذه الصور ليست حكايات من نسج الخيال، أو محاولة قصصية، بل هي واقع رأيناه ولمسناه ونحن في ميدان الطلب والتدريس، ولئن كان هذا الهاجس يبلغ ذروته عند المدرس المستجد، فهو يبدأ بعد ذلك يتناقص. لكنه لا يصل عند كثير منهم إلى حد الاعتدال، ويبدو ذلك من خلال المناقشة مع أمثال أولئك حين تطالبهم بالإسهام في التوجيه، أو بناء علاقة حسنة مع الطلاب، حين تفتح مثل هذا النقاش يبدي البعض لك هذه الحجة وهذا التخوف من الانهيار المزعوم للشخصية، ويظل يسهم مساهمة فعالة في حجب كثير من الأدوار التربوية.

ونحن إذ نرفض تحول قوة الشخصية إلى هاجس يسيطر على نفسية المدرس، وهمٍّ يقيمه ويقعده، فليس البديل الذي نطرحه هو ضياع شخصيته، وإفلات الزمام من يده؛ ليصبح في حال يلعب به الصبيان.

وحين يفلت الأمر من يد المدرس، فيصبح ألعوبة في يد الطلاب، فيتعالى صراخهم، ويزيد عبثهم، ويفقد سيطرته عليهم، فإنه يصبح في وضع لا يحسد عليه، ولا يمكن أن يلقي درسه بهدوء، أو يترك أثره على تلامذته.

ولا يسوغ أن يكون التطرف بديلًا لتطرف آخر.

ونقطة اختلافنا مع إخوتنا الأفاضل ليست في مبدأ قوة الشخصية، إنما في الفهم المتطرف لها، وفي وسائل تحقيقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت