فهرس الكتاب
وإنه لجزء من أمراض الأمة التي أوغلت في المظاهر على حساب المضمون أن يتصور المدرس أنه مسؤول عن إجراءات إدارية لا تقدم ولا تؤخر، أما ما سوى ذلك من البناء العلمي، والتربية والتوجيه فهو ضمن دائرة النوافل، ولئن قبلنا ممن يعيش العمل الإداري البحت، أو من بعض العامة من الناس أن يوغل في المظاهر على حساب المضمون، فإنه لا يمكن أن يحتمل بحال من المدرس والمربي ومعلم الأجيال.
المعوق الثالث: الحواجز المصطنعة:
يحيط بعض المدرسين نفسه بسياج وهمي وحاجز مصطنع، يمنعه من التعامل والتأثير على فئة وقطاع عريض من الطلبة، فأحيانا يتصور أن تأثيره وجهده لا يجاوز الطلبة المشاركين معه في الجمعية المدرسية، أو فئة خاصة من الطلبة (أهل الاستقامة والصلاح) ولو كان الأمر يقف عند مجرد نظرته لهان، لكن هذه النظرة تولد سلوكًا يشكل عائقًا له عن التأثير والتوجيه، ثم يتحول الأمر إلى شعور متبادل فيشعر الطلبة أنهم معزولون عن هذا المدرس أو ذاك، ويتحدث المدرس في فصله أمام ثلاثين طالبًا وهو يشعر أنه لا يخاطب إلا الفئة الجادة، فيحرم الغالبية من توجيهه.
وكم نخسر معشر المدرسين حين نفرض على أنفسنا هذه الحواجز، فبدلًا من مئات الطلاب يخاطب الأستاذ العشرات، فهلا فكرنا تفكيرًا جادًا وسعينا لتحطيم هذه الحواجز، ليتسع مدى المخاطبين بهذه الدعوة؟
وحين نلقي نظرة سريعة على مدارسنا المتوسطة والثانوية - وبخاصة في المدن- نرى أنه لا تكاد تخلو مدرسة من عدد من المدرسين والمدرسات الأخيار الذين يحملون هذه الدعوة، فدون احتقار لجهدهم، ومن غير إقلال من شأنهم، نتساءل:ماذا حقق إخواننا الأخيار؟ خاصة مع عامة الطلاب والطالبات الذين هم القاعدة والسواد الأعظم، والذين لن يخلو أحدهم من أن يكون قد تتلمذ على واحد من هؤلاء، فماذا سمع منه؟ وماذا قدم له؟ مرة أخرى لست أحتقر جهود العاملين، ولا أقلل أعمال المخلصين، لكنها دعوة جادة للمصارحة والواقعية مع أنفسنا.