فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 143

وأما الضرب الثالث، فهو ما تختلف الحالات في التمدح به والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجْله، ككثرة المال، فصاحُبه على الجملة معظّم عند العامة، لاعتقادها توصله به إلى حاجاته، وتمكن أغراضه بسببه، وإلا فليس فضِيلة في نفسه، فمتى كان المالُ بهذه الصورة، وصاحبه مُنفقًا له في مهمات من اعتراه [1] وأمله، وتصريفه في مواضعه مُشْتريًا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة في القلوب، كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا، وإذا صرفه في وجوه البر، وأنفقه في سبيل الخير، وقصد بذلك الله والدار الآخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكًا له غير موجهه وجوهه، حريصًا على جمعه، عاد كالعدم، وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جَدد [2] السلامة، بل أوقعه في هوّة رذيلة البخل، ومذمة النّذالة.

فإذًا التمدح بالمال وفضيلته عند مفضله ليست لنفسه، وإنما هو للتوصل به إلى غيره، وتصريفه في متصرفاته، فجامعه إذا لم يضعه مواضعه، ولا وجّهه وجوهَه غير مليء بالحقيقة ولا غني بالمعنى، ولا ممتدح عند أحد من العقلاء؛ بل هو فقير أبدًا غيرُ واصل إلى غرض من أغراضه؛ إذ ما بيده من المال الموصل لها لم يسلّط عليه، فأشْبه خازن مال غيره، ولا مال له، فكأنه ليس في يده منه شيء، والمنفق مليء وغني بتحصيله فوائد المال، وإن لم يبق في يده من المال شيء.

(1) اعتراه: غشيه.

(2) الجدد: الأرض الصلبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت