فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 143

فانظر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وخلُقه في المال تجدْه قد أوتي خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لنبي قبله، وفُتح عليه في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجلبت إليه من أخماسها وجِزيتها وصدقاتها ما لا يُجنى للملوك إلا بعضُه، وهادتْه جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهمًا، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوَّى به المسلمين، وقال: {ما يسرني أن لي أحُدًا ذهبًا يبيتُ عندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين} [1] ، ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله [2] ، واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه.

وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشملة [3] ، والكساء الخشن، والبرد [4] الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية [5] الديباج المخوّصة بالذهب، ويرفع لمن لم يحضره؛ إذ المبُاهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، وهي من سمات النساء.

والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط في جنسه، وكونه لبس مثله، غير مُسقط لمروءة جنسه مما لا يؤدي إلى الشهرة في الطرفين.

وقد ذم الشرع ذلك؛ وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود، ووُفور الحال.

وكذلك التباهي بجودَة المسكن، وسعة المنزل، وتكثير آلاته وخدمه ومركوباته.

(1) صحيح البخاري (6445) ، صحيح مسلم (991) .

(2) صحيح البخاري (2196) .

(3) الشملة: شقة من الثياب ذات خمل يتوشح بها ويتلفح.

(4) البرد: كساء مخطط يُلتحف به.

(5) أقبية: جمع قباء، وهو ثوب يُلبس فوق الثياب أو القميص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت