فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 143

وقال: (( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) ) [الشورى:43] .

ولا خفاء بما يُؤثر من حِلْمِه واحتماله، وأن كل حليم قد عُرفت منه زلّة، وحفظت عنه هفْوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيدُ مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهِل إلا حِلمًا.

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما خُيرّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قطّ إلا اختار أيْسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى، فينتقم لله بها) [1] .

ولما قال له الرجل: (اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) ، لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله، ووعظ نفْسه، وذكّرها بما قال له، فقال: ويحكَ! فمن يعدل إن لم أعدل! خِبتُ وخسرتُ إن لم أعدل! [2] ، ونهى من أراد من أصحابه قتْله.

ولما تصدّى له غوْرث بن الحارث ليفتك به، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنتبذٌ تحت شجرة وحده قائلًا، والناس قائلون، في غزاة، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم والسيف صلتًا في يده، فقال: {من يمنعك مني؟ فقال: الله، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذٍ، فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه فقال: جئتُكم من عند خيْر الناسِ} [3] .

ومن عظيم خبرِه في العفو عفوه عن اليهودية التي سمّته في الشاة بعد اعترافها.

ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره، وقد أُعلم به وأُوحي إليه بشرح أمره، ولا عتب عليه فضلًا عن معاقبته [4] .

(1) صحيح مسلم (2327) .

(2) صحيح مسلم (1062) (1063) (1064) .

(3) صحيح البخاري (2910) ، صحيح مسلم (843) .

(4) مسند أحمد (4/367) ، سنن النسائي (4091) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت