فهرس الكتاب
وجاءه زيد بن سعْنة قبل إسلامه يتقضاه دينًا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه، وأغلظ له، ثم قال: إنكم -يا بني عبد المطلب- مُطْلٌ، فانتهره عُمر، وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أنا وهو كُنا إلى غير هذا أَحوج منك يا عمر! تأمرني بحُسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي [1] ، ثم قال: لقد بقِي من أجَله ثلاث، وأمر عُمر يقضيه مالَه ويزيده عشرين صاعًا لما روّعه، فكان سببَ إسلامه، وذلك أنه كان يقول: ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين لم أخبُرهما: يسبقُ حلْمُه جهله ، ولا تزيده شدّة الجهل إلا حلمًا} ، فاختبره بهذا، فوجده كما وُصف.
والحديث عن حلمه عليه السلام وصبره وعفوه عند القدرة أكثر من أن تأتي عليه، وحسبك صبره على مُقاساة قريش، وأذى الجاهلية، ومُصابرته الشدائدَ الصعبةَ معهم إلى أن أظفره الله عليهم، وحكَّمه فيهم، وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم، وإبادة خضْرائهم، فما زاد على أن عفا وصفح، وقال: {ما تقولون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخٌ كريم، فقال: أقولُ كما قال أخي يوسف: (( قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) ) [يوسف:92] ، اذهبوا فأنتم الطلقاء} [2] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناسِ غضبًا، وأسرعهم رِضًا، صلى الله عليه وسلم.
فصل: [في ذكر جوده وكرمه وسماحته]
كان صلى الله عليه وسلم لا يُوازى في هذه الأخلاق الكريمة، ولا يُبارى، بهذا وصفه كل من عرفه.
عن ابن المنكدر، سمعت جابر بن عبد الله يقول: (ما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال: لا) [3] .
(1) صحيح ابن حبّان (288- إحسان) ، دلائل النبوة للبيهقي (6/278- 280) .
(2) سنن النسائي (318) .
(3) صحيح البخاري (6034) ، صحيح مسلم (2311) .