فهرس الكتاب
ورآه أُبي بن خلف يوم أحد وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا، وقد كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم حين افتدى يوم بدر: عندي فرسٌ أعلفها كلّ يوم فرقًا من ذُرة أقتلك عليها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أنا أقتلكَ إن شاء الله} [1] .
فلما رآه يوم أحد شدّ أبي على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترضه رجالٌ من المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا- أي: خلوا طريقه- وتناول الحرْبة من الحارث بن الصّمة، فانتفض بها انتفاضةً تطايرُوا عنه تطايُر الشَّعْرَاء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله النبي صلى الله عليه وسلم، فطعنه في عنقه طعنةً تدأدأ [2] منها عن فرسه مرارًا، وقيل: بل كسر ضِلعًا من أضلاعه، فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمد، وهم يقولون: لا بأس بك. فقال: لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم، أليس قد قال: أنا أقتلك؟ والله! لو بصق علي لقتلني، فمات بسرف [3] في قفولهم إلى مكة.
فصل: [في ذكر حيائه صلى الله عليه وسلم]
كان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم أشد الناس حياءً، وأكثرهم عن العوْرات إغضاءً، قال الله سبحانه: (( إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ... ) ) [الأحزاب:53] .
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: {كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خِدْرِها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجْهه} [4] .
وكان صلى الله عليه وسلم لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافهُ أحدًا بما يكرهه حياءً وكرم نفْس.
(1) دلائل النبوة للبيهقي (3/258) ، مصنف عبد الرزاق (5/356، 357) .
(2) تدأدأ: تدحرج.
(3) سرف: اسم لموضع على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة.
(4) صحيح البخاري (3562، 6102، 6119) ، صحيح مسلم (2320) .