فهرس الكتاب
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤلّفُهم [1] ، ولا يُنفّرُهم، ويكرم كريم كل قوم ويُولّيه عليهم، ويحذر الناس، ويحترسُ منهم من غير أن يُطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاربه لحاجة صابرَه حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميْسور من القول، قد وسِعَ الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواءً، بهذا وصفه ابن أبي هالة، قال: {وكان دائم البشْر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظ، ولا سخاب، ولا فحاش ولا عياب، ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤْيسُ منه} .
وقال الله تعالى: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) ) [آل عمران:159] .
وقال تعالى: (( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) ) [المؤمنون:96] .
وكان يُجيب من دعاه، ويقبل الهدية ولو كانت كُراعًا ويكافئ عليها.
قال أنس: {خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفّ قط، وما قال لشيء صنعته: لم صنعْته؟ ولا لشيء تركتُه: لم تركْته؟} [2] .
وقال جرير بن عبد الله: {ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلاّ تبسّم} [3] .
وكان يمازح أصحابه، ويخالِطهم ويحادثهم، ويُداعِبُ صِبْيانهم، ويُجْلِسهم في حجرِه، ويجيب دعوةَ الحرّ والعبد [4] ، والأمةِ والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبلُ عذْر المعتذر [5] .
(1) هو قطعة من حديث هند بن أبي هالة.
(2) صحيح البخاري (6038) ، صحيح مسلم (2309) .
(3) صحيح البخاري (3035، 3822، 6089) ، صحيح مسلم (2475) .
(4) سنن ابن ماجة (2296) .
(5) في الصحيح قصة المتخلفين عن غزوة تبوك، فكان يقبل اعتذارهم ويكل سرائرهم إلى الله.