فهرس الكتاب
ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه قال أبو سفيان ابن حرب: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك؟ فقال زيد: والله! ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شَوكة وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيتُ من الناس أحدًا يحب أحدًا كحُبِّ أصحابِ محمدٍ محمدًا!).
ووقف ابن عمر على ابن الزبير رضي الله عنهما بعد قتله، فاستغفر له، وقال: (كنت والله ما علمت صوامًا قوامًا تحب الله ورسوله) .
فصل: [في علامة محبَّته صلى الله عليه وسلم]
اعلم أن من أحبَّ شيئًا آثَره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقًا في حبه، وكان مدعيًا، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه؛ وأوَّلُها الاقتداءُ به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [آل عمران:31] .
وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه، وموافقة شهوته، قال الله تعالى: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ) [الحشر:9] .
فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله، ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها.
ودليله: قوله صلى الله عليه وسلم للذي حدَّه في الخمر فلعَنَه بعضهم، وقال: ما أكثر ما يُؤْتَى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله} .
ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم: كثرةُ ذِكره له؛ فمن أحب شيئًا أكثر ذكره.