فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 143

وقال بعضهم: المحبة: الشوق إلى المحبوب.

وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها.

وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له إمّا لاستلذاذه بإدراكه؛ كحب الصور الجميلة، والأصوات الحسنة، والأطعمة والأشربة اللذيذة.. وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له.

أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسّة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة؛ كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف، والمأثور عنهم السِّيَرُ الجميلة والأفعال الحسنة؛ فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصّب بقوم، والتشيُّع من أمة في آخرين ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان، وهتك الحرم، واخترام النفوس.

أو يكون حبُّه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه؛ فقد جُبِلت النفوس على حب من أحسن إليها.

فإذا تقرر هذا نظرْت هذه الأسباب كلها في حقه صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم جامعٌ لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة.

أما جمال الصورة والظاهر، وكمالُ الأخلاق والباطن، فقد قرّرنا منها قبل فيما مرَّ في الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة.

وأما إحسانه وإنعامُه على أمَّته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من رأفته بهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من النار، وأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ويَتْلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

فأي إحسان أجلُّ قدرًا، وأعظم خطرًا من إحسانه إلى جميع المؤمنين؟ وأَيُّ إفضال أعمُّ منفعة، وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين؟ فهو ذريعتهم إلى الهداية، ومنقذهم من العماية، وداعيهم إلى الفلاح، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم والمتكلم عنهم، والشاهد لهم، والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السَّرمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت