فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 143

فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجبٌ للمحبة الحقيقية شرعًا بما قدّمناه من صحيح الآثار، وعادة وجبلّة بما ذكرناه آنفًا؛ لإفاضتهِ الإحسان، وعمومِه الإجمال؛ فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دُنياه مرة أو مرتين معروفًا، أو استنقذه من هلَكة أو مضَرَّة مدة التأذّي بها قليل منقطع، فمن منحه ما لا يَبيدُ من النعيم، ووقاه ما لا يَفْنى من عذاب الجحيم أولى بالحب.

وإذا كان يُحب بالطبع ملك لحُسن سيرته، أو حاكِم لما يؤثَر من قِوام طريقته، أو قاصّ بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته، فمَنْ جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحقُّ بالحب، وأولى بالميل.

وقد قال علي رضي الله عنه في صفته صلى الله عليه وسلم: {من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه} .

فصل: [في وجوب مناصحته صلى الله عليه وسلم]

قال الله تعالى: (( وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [التوبة:91] .

قال أهل التفسير: إذا نصحوا لله ورسوله: إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية.

عن تميم الداري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم} [1] .

قال العلماء: النصيحة لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة.

قال الإمام أبو سليمان البستي: (النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصرها، ومعناها في اللغة: الإخلاص، من قولهم: نصحتُ العسل، إذا خلصته من شَمعه.

فنصيحة الله تعالى: صحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بما هو أهله، وتنزيهه عما لا يجوز عليه، والرغبة في محابه، والبعد من مساخِطِه، والإخلاص في عبادته.

(1) صحيح مسلم (55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت