فهرس الكتاب
ثم وعظهم وحذرهم مخالفة ذلك؛ فقال: (( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) [الحجرات:1] .
قال السلمي: (اتقوا الله في إهمال حقه وتضييع حرمته، إنه سميع لقولكم، عليم بفعلكم) .
ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته، والجهْرِ له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته.
وقيل: كما يُنادي بعضهم بعضًا باسمه.
قال أبو محمد مكي: (أي: لا تسابقوه بالكلام، وتغلظوا له بالخطاب، ولا تُنادوه باسمه نداء بعضكم بعضًا، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحبُّ أن ينادى به: يا رسول الله، يا نبيَّ الله) .
وهذا كقوله في الآية الأخرى: (( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) ) [النور:63] على أحد التأويلين.
ثم خوفهم الله تعالى بحَبْط أعمالهم إن هم فعلوا ذلك، وحذرهم منه.
وقال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا... ) ) [البقرة:104] .
قيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي صلى الله عليه وسلم بالرعونة، فَنُهي المسلمون عن قَوْلها؛ قطعًا للذريعة، ومنعًا للتَّشبه بهم في قولها، لمشاركة اللفظة.
فصل: [في عادة الصحابة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإجلاله]
عن ابن شُماسَة المَهْري، قال: حَضَرَنا عمرُو بن العاص... فذكر حديثًا طويلًا فيه عن عمرو، قال: (وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أَملأَ عَيْنِي منه إجلالًا له، ولو سُئلتُ أن أصفه ما أطقْت؛ لأني لم أكُنْ أملأ عَيني منه) [1] .
وروى الترمذي: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المُهاجرين والأنصار وهم جلوس، فيهم أبو بكر، وعمر، فلا يرفَعُ أحدٌ منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتَبَسَّمان إليه ويتبسَّمُ إليهما [2] .
(1) صحيح مسلم (121) .
(2) سنن الترمذي (3668) .