النابية ، فأنكرها أشد الإنكار وقال لأبى ذر:"أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية". ص _015
ومما قاله:"طف الصاع ، طف الصاع ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح". وقد ندم أبو ذر على فعلته ، وأثرت كلمات الرسول"ـ صلى الله عليه وسلم ـ"فى نفسه فألصق خده بالأرض ، وقال للأسود:"قم فطأ على خدى". وبهذا التعليم المبين الحاسم محا الإسلام من المجتمع كل نزعة إلى التفرقة العنصرية . والحق أن لون الجلد الإنسانى لا يسوغ أن يكون مثار تقديم أو تأخير ، فالمدار على الخلق والسلوك في تحديد القيم . لقد كان عبادة بين الصامت ـ وهو من الصحابة الأجلاء ـ أسود اللون ، وكان رئيس الوفد الذى أرسله عمرو بن العاص لمفاوضة المقوقس عظيم القبط . فضاق به المقوقس لسواده وبسطة جسمه ، وطلب من الوفد أن يتكلم غيره. فردوا عليه: إن هذا أفضلنا رأيا وعلما ، وهو سيدنا وخيرنا ، وقد أمره الأمير علينا فلا نخالف أمره . فعجب المقوقس: كيف يكون الأسود أفضلهم ! فردوا عليه بأن الألوان ليست ما تقاس به الرجال ، وأن الإسلام لا يعرف في تقويم البشر إلا الخلق والمواهب الفاضلة . ومما عرفته مجامع الجاهلية ، ولا يزال معروفًا في شتى المجتمعات ، أن يكون الفقر منقصة لأصحابه ، وأن تكون الطبقات الفقيرة محقورة الشأن مضيعة الفرص. وقد استنكر الإسلام هذه النظرة ، وأقصاها إقصاء تاما في تقديره للأفراد والجماعات ، وعول على القيمة الإنسانية المجردة في رضاه وسخطه ، وقدحه ومدحه ، دون أى حساب للغنى والفقر ، والإقلال والإكثار . ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) . ونظرا لأن قلة الثروة كانت عاملا ملحوظا في حرمان طوائف غفيرة من حقوقها الإنسانية ، ومكانتها الاجتماعية فقد انحاز الإسلام إلى جانب أولئك المستضعفين حتى تتساوى كفتهم مع