فهرس الكتاب
تتحول إلى شريعة، ولا أن تحترم لها آثار.. ص _119
وبديهى أن الذى يظفر بتقدير العالم، من يقع عليه الحيف لعقيدته ورأيه. أما الفار لجرم ارتكبه، أو الهارب من عقاب يستحقه فليس بلاجئ سياسى.. ولا يجوز لأحد إيواؤه، بل إن تسليمه للعدالة حق على كل قادر. والإسلام يبيح الهجرة طلبا للثراء وجمع المال، فإن المال في يد أهل الخير قوة تخدم مثلهم العليا. وإذا كان الأشرار في سعة من الثروة فإن الفقر لا يجدى في مقاومتهم فتيلا، بل إن غناهم سيتيح لهم فرصا لتحقيق مآربهم لن يتيح الاقلال مثلها لأهل الخير أبدا. فإذا هاجر امرؤ لطلب المال، بنية خدمة الحق، فإن هجرته هذه تكون لله، وخطواته تكون في سبيله"نعم المال الصالح للعبد الصالح"."وليست بقعة في الأرض أحق من أخرى برسالة المسلم ! ولن يكون المسلم عبدا لمكان ما في هذه الدنيا يعلق بترابه ويرتبط بأسبابه !!". وإنما هو ابن رسالته الكبرى، وهذه الرسالة الكبرى تربط فؤاده بالناس ورب الناس، وتوسع أفقه حتى يتسع للعالمين، ورب العالمين. إنه يحب وطنه الذى ولد فيه، واستمتع بخيره، وعاش قطعة من تاريخه وهو يؤدى حقوق هذا الوطن ويستشعرها أكثر مما يستشعرها غلاة المتعصبين للنزعات القومية المحدودة. لكنه- مع ذلك- يخدم حقيقة أكبر من أقطار الأرض وآفاق السماء لأنه يصل قلبه ولبه برب الأرض والسماء، ومن ثم انداحت الدائرة التى يعمل فيها، وذابت الحدود التى تحصرها. وقد عرف سلفنا الأولون هذه الحقيقة وبنوا عليها سلوكهم الاجتماعى والسياسى فكان علم"الجغرافيا"يسمى في مصطلحهم علم"تقويم البلدان"كأن الغاية من دراسته هى الغاية التى تقصدها من مطالعة"دليل"تشتريه من محطة السكة الحديد لمعرفة المحطات المختلفة ومواعيد وقوف القطار بها . وكان المسافر المسلم ينزح من المغرب ليصل إلى الصين فلا يحمل معه"جواز سفر، ولا يلقى أمامه"حرس حدود"وكان نصف الدنيا مفتوحا له ينتقل في مشارقه"