فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 210

به بعد ما عرا الجماعة الإنسانية من تطور واسع جعلنا نطالب بتسعير الوظائف في كل مكان ، وحماية العمل ورجاله من الزراية والحرمان. * * * ص _1 ص 2

على أن ما نقرره هنا من تسعير الوظائف والأعمال بطريق القياس والاستنتاج قد سبق إلى تقريره فقهاء الإسلام القدامى رضى الله عنهم. غاية ما هنالك من فرق أن تسعير العمل في عصرنا هذا ينظر فيه إلى حماية الطبقات الكادحة ومنع أصحاب الثروة والقوة من إملاء شروطهم عليها . لكن يبدو مما قرأناه في كتبنا الفقهية القديمة أن التسعير كان يقصد به أولا منع العمال من المغالاة في طلب أجور باهظة يطيقها أصحاب الأرض أو أصحاب الصناعات تأمل قول ابن القيم في كتابه"الطرق الحكمية في السياسة الشرعية":"فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم يجبرهم ولى الأمر عليهم بعوض المثل". ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل . ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم . كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ، وألزم ولى الأمر من صناعته الفلاحة أن يقوم بها فإنه يلزم الجند ألا يظلموا الفلاح ، كما يلزم الفلاح أن يفلح الأرض. يعنى ابن القيم أن على المالك أن يدفع أجورا معقولة للفلاحين ، وعلى الفلاحين أن يؤدوا ما كلفوا به بأمانة . ثم قال ابن القيم:"والمقصود أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات- كالفلاحين وغيرهم- أجبروا على ذلك بأجرة المثل ، وهذا من التسعير الواجب ، فهذا تسعير الأعمال". وهذا الكلام الواضح يعطى الحكومات والنقابات حق تسعير جميع الوظائف والمهن على نحو من التراضى والتفاهم ، لا تضار به الأطراف المعنية . فلا صاحب المال يطغى ، ولا باذل الجهد يأسى . ولكنها قاعدة الإسلام (لا تظلمون ولا تظلمون) . * * * ليس من الدين أن يمنح الموظف راتبا دون كفايته ، أو يعطى العامل أجرا دون مهارته ، ولو تم ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت