وقد توهم البعض أن المنقول من الكتاب والسنة استوعب ضروب الحيطة والإثبات في التحقيق والقه حاء. وقال بناء على ذلك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. وقد رد علي ذلك العلامة ابن عقيل فقال:"السياسة هو الفعل الذى يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسولـ صلى الله عليه وسلم ـ أو نزل به الوحى . فإن أردت بقولك ما وافق الشرع: أى لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح ، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة"."قال ابن القيم: من له ذوق في الشريعة واطلاع على ما لها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ، ومجيئها بغاية العدل الذى يسع الخلائق ، وأنه لا عدل فوق عدلها ، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح ، وتبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها . وأن من أحاط علما بمقاصدها وحسن فهمه فيها ، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة ؟ فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها ، وسياسة عادلة تستخرج الحق من الظالم الفاجر ، فهى من الشريعة علمها من علمها وجهلها من جهلها". ويتضح من هذا البيان السديد أن جميع الضمانات التى توضع لشل السلطة التنفيذية عن مصادرة الحريات واعتقال الأفراد واستسهال التهم هى ضرب من حراسة العدل ، وإن كل ما تثمره التجارب مستقبلا من ضمانات أزيد فإن الشريعة لا تأباه ، بل تحث على اتخاذه وترى إقامته من إجابة نداء الله في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) . على أن أمر الحظر والإباحة والتحليل والتحريم لا يخضع لرأى حاكم ما ، بل هو ابتداء يرجع إلى الشريعة في نصوصها الخاصة أو قواعدها العامة . ومعنى ذلك أن الحاكم لا يستطيع أن يؤاخذ أى إنسان بعمل هو في رأيه جريمة تستحق ؟ العقاب بينما ذلك تصرف لم