إن نقائض الحياة تلفت النظر بقوة . والناس تعجب عندما ترى البخيل غنيا والكريم فقيرا ، وربما تندر العامة بالدنيا التى تمنح القرط من لا أذن له . ولقد لفت نظرى من هذه النقائض قول جبران:"الناس رجلان: رجل نام في النور. ورجل استيقظ في الظلام". قلت: ما أصدق هذا القول على المسلمين الذين أغفوا ، وأشعة الوحى الصادق تغمر ما حولهم وما أصدقه كذلك على أولئك الذين استيقظوا في الظلام وساروا بقوة وهم محرومون من شعاع يهديهم الطريق، ويصلهم بالسماء عن يقين. ولا تزال النقائض تترى . وليس هناك ما يقف تتابعها . وقصة حقوق الإنسان مثل آخر لهذه المفارقات. إن المبادئ التى طالما صدرناها للناس يعاد تصديرها إلينا على أنها كشف إنسانى ما عرفناه يوما ولا عشنا به دهرا ..!! ولا غرو . لقد كان ظهور هذه المبادىء منذ اندلاع الثورة الفرنسية شيئا جديدا في حياة الغرب . والكعكة في يد اليتيم عجب ! ونحن لا نجادل في نفاسة هذه المبادئ . بيد أن الذين يفكرون في إعانة مصر بتصدير القطن إليها ، لا يصنعون شيئا ، فالقطن في أرضها وفير الثمر جيد المادة ونحن نملك تراثا عامر الخزائن بالمبادئ الرفيعة والمثل العليا . ونخشى أن يجىء يوم يصدر الغرب إلينا فيه غسل الوجوه والأيدى والأقدام على أنه نظافة إنسانية للأبدان . فإذا قلت: ذلك هو الوضوء الذى نعرفه . قال لك المتحذلقون المفتوتون: لماذا لا تعترف بتأخرك وتقدمه ؟؟ وفقرك وغناه ؟؟ ومع هذا الجهل المطبق فلن نكذب على أنفسنا ولن نفتأ نذكر ما لدينا لا لنقول فقط: بضاعتنا ردت إلينا ؟ بل لنهيب بالقاصرين والغافلين أن يستردوا ثقتهم في أنفسهم وحضارتهم ، ويحددوا بدقة ما لهم وما عليهم ، ثم ليس كل ما يجىء من قبل الغرب الظافر القوى محل تقديرنا . فنحن أصحاب رسالة تنزلت علينا من السماء ، نحاكم إلى تعاليمها كل شىء ، ما وافقها وإن كان مجلوبا إلى أرضنا فهو حق ، وما خالفها وإن كان عرفا مقررا لدينا فهو